السبت، 2 أبريل 2011

الذكرى



اَلذِّكْرَى

" مُتَرْجَمَة "

 وَقَفَ أَبُو عَبْد اَللَّه آخَر مُلُوك غَرْنَاطَة بَعْد اِنْكِسَاره أَمَام جُيُوش اَلْمَلِك فردينايد
 وَالْمَلِكَة إيزابلا عَلَى شَاطِئ اَلْخَلِيج اَلرُّومِيّ تَحْت ذَيْل جَبَل طَارِق قَبْل نُزُوله إِلَى
 اَلسَّفِينَة اَلْمُعَدَّة لِحَمْلِهِ إِلَى أَفْرِيقْيَا وَقَدْ وَقَفَ حَوْله نِسَاؤُهُ وَأَوْلَاده وَعُظَمَاء
 قَوْمه مِنْ بَنِي اَلْأَحْمَر فَأَلْقَى عَلَى مِلْكه اَلذَّاهِب نَظْرَة طَوِيلَة لَمْ يَسْتَرْجِعهَا إِلَّا
 مُبَلَّلَة بِالدَّمْعِ ثُمَّ أَدْنَى رِدَاءَهُ مَنْ وَجَّهَهُ وَأَنْشَأَ يَبْكِي بُكَاء مُرًّا وينشج نَشِيجًا
 مُحْزِنًا حَتَّى بَكَى مِنْ حَوْله لِبُكَائِهِ وَأَصْبَحَ شَاطِئ اَلْبَحْر كَأَنَّهُ مَنَاحَة قَائِمَة تَتَرَدَّد
 فِيهَا اَلزَّفَرَات وَيَسْتَبِق اَلْعَبَرَات فَإِنَّهُ لِوَاقِف مَوْقِفه هَذَا وَقَدْ ذُهِلَ عَنْ نَفْسه
 وَمَوْقِفه إِذْ أَحَسَّ هَاتِفًا يَهْتِف بِاسْمِهِ بِصَوْت كَأَنَّمَا يَنْحَدِر إِلَيْهِ مِنْ عَلْيَاء اَلسَّمَاء
 فَرَفَعَ رَأْسه فَإِذَا شَيْخ نَاسِك مُتَّكِئ عَلَى عَصَاهُ وَاقِف عَلَى بَاب مَغَارَة مِنْ مَغَارَات
 اَلْجَبَل اَلْمُشْرِف عَلَيْهِ يَنْظُر إِلَيْهِ وَيَقُول :
 نَعِمَ لَك أَنْ نَبْكِي أَيُّهَا اَلْمَلِك اَلسَّاقِط عَلَى مِلْكك بُكَاء اَلنِّسَاء فَإِنَّك لَمْ تَحْتَفِظ بِهِ
 اِحْتِفَاظ اَلرِّجَال .
 إِنَّك ضَحِكْت بِالْأَمْسِ كَثِيرًا فَابْكِ اَلْيَوْم بِمِقْدَار مَا ضَحَّكَتْ بِالْأَمْسِ فَالسُّرُور نَهَار
 اَلْحَيَاة وَالْحُزْن لَيْلهَا وَلَا يَلْبَث اَلنَّهَار اَلسَّاطِع أَنْ يُعْقِبهُ اَللَّيْل اَلْقَاتِم .
 لَوْ أَنَّ مَا ذَهَبَ مِنْ يَدك مِنْ مِلْكك ذَهَبَ بِصَدْمَة مِنْ صَدَمَات اَلْقَدْر أَوْ نَازِلَة مِنْ نَوَازِل
 اَلْقَضَاء مِنْ حَيْثُ لَا حَوْل لَك فِي ذَلِكَ وَلَا حِيلَة لَهَانَ أَمْره عَلَيْك أَمَّا وَقَدْ أَضَعْته
 بِيَدِك  إِلَى عَدْوك بِاخْتِيَارِك فَابْكِ عَلَيْهِ بُكَاء اَلنَّادِم المتفجع اَلَّذِي لَا
 يَجِد لَهُ عَنْ مُصَابه عَزَاء وَلَا سَلْوَى .
 لَا يَظْلِم اَللَّه عَبَدَا مِنْ عِبَاده وَلَا يُرِيد بِأَحَد مِنْ اَلنَّاس فِي شَأْن مِنْ اَلشُّؤُون
 شَرًّا وَلَا ضيرا وَلَكِنَّ اَلنَّاس يَأْبَوْنَ إِلَّا أَنْ يَقِفُوا عَلَى حَافَّة اَلْهُوَّة اَلضَّعِيفَة
 فَتُزَلْ بِهِمْ اقدامهم وَيَمْشُوا تَحْت اَلصَّخْرَة اَلْبَارِزَة اَلْمُشْرِفَة فَتُسْقِط عَلَى رُءُوسهمْ .
 لَمْ تُقْنِع بِمَا قَسَّمَ اَللَّه لَك مِنْ اَلزُّرْق فَأَبَيْت إِلَّا اَلْمَلِك وَالسُّلْطَان فَنَازَعْت عَمّك
 اَلْأَمْر وَاسْتَعَنْت عَلَيْهِ بَعَّدُوك وَعَدُّوهُ فَتَنَاوَلَ رَأْسَيْكُمَا مَعًا وَمَا زَالَ يَضْرِب أَحَدهمَا
 بِالْآخَرِ حَتَّى سَالَ تَحْت قَدَمَيْكُمَا قليب مِنْ اَلدَّم فَغَرِقْتُمَا فِيهِ مَعًا .
 لِي فَوْق هَذِهِ اَلصَّخْرَة يَا بَنِي اَلْأَحْمَر سَبْعَة أَعْوَام أَنْتَظِر فِيهَا هَذَا اَلْمَصِير اَلَّذِي
 صِرْتُمْ إِلَيْهِ وَأَتَرَقَّب اَلسَّاعَة اَلَّتِي أَرَى فِيهَا آخِر مِلْك مَلِكًا يَرْحَل عَنْ هَذِهِ اَلدِّيَار
 رِحْلَة لَا رَجْعَة مِنْ بَعْدهَا لِأَنِّي أَعْلَم أَنَّ اَلْمَلِك اَلَّذِي يَتَوَلَّى أَمْره اَلْجَاهِلُونَ
 اَلْأَغْبِيَاء لَا دَوَام لَهُ وَلَا بَقَاء .
 اِتَّخَذَ بَعْضكُمْ بَعْضًا عَدُوًّا وَأَصْبَحَ كُلّ وَاحِد مِنْكُمْ حَرْبًا عَلَى صَاحِبه فَسُقْتُمْ اَلْمُسْلِمِينَ
 إِلَى مَيَادِين اَلْقِتَال يَضْرِب بَعْضهمْ وُجُوه بَعْض وَالْعَدُوّ رَابِض مِنْ وَرَائِكُمْ يَتَرَبَّص بِكُمْ
 اَلدَّوَائِر وَيَرَى أَنَّ كُلًّا مِنْكُمْ قَائِد قُوَّاده يَنْبَعِث بَيْن يَدَيْهِ لِقَتَّال أَعْدَائِهِ
 وَالْمُنَاضِلَة عَلَى مِلْكه حَتَّى رَآكُمْ تَتَهَافَتُونَ عَلَى أَنْفُسكُمْ ضَعْفًا وَوَهْنًا فاقتحمكم
 فَمَا هِيَ إِلَّا جَوْلَة أَوْ جَوْلَتَانِ حَتَّى ظَفَر بِكُمْ مَعًا .
 سَتَقِفُونَ غَدًا بَيْن يَدَيْ اَللَّه يَا مُلُوك اَلْإِسْلَام وَسَيَسْأَلُكُمْ عَنْ اَلْإِسْلَام إِلَى
 أَضَعْتُمُوهُ وَهَبَطْتُمْ بِهِ مِنْ عَلْيَاء مَجْده حَتَّى أَلْصَقْتُمْ أَنْفه بالرغام وَعَنْ اَلْمُسْلِمِينَ
 اَلَّذِينَ بِالْإِغْوَاءِ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى أَعْدَائِهِمْ لِيَعِيشُوا بَيْنهمْ عَيْش اَلْبَائِسِينَ
 اَلْمُسْتَضْعَفِينَ عَنْ مُدُن اَلْإِسْلَام وَأَمْصَاره اَلَّتِي اِشْتَرَاهَا آبَاؤُكُمْ بِدِمَائِهِمْ وَأَرْوَاحهمْ
 ثُمَّ تَرَكُوهَا فِي أَيْدِيكُمْ لِتَذُودُوا عَنْهَا وَتَحْمُوا ذمارها فَلَمْ تُحَرِّكُوا فِي شَأْنهَا
 سَاكِنًا حَتَّى غَلَبَكُمْ أَعْدَاؤُكُمْ عَلَيْهَا فَأَصْبَحْتُمْ تَعِيشُونَ فِيهَا عَيْش اَلْأَذِلَّاء وَتَطْرُدُونَ
 مِنْهَا كَمَا يَطْرُد اَلْغُرَبَاء فَمَاذَا يَكُون جَوَابكُمْ إِنْ سُئِلْتُمْ عَنْ هَذَا كُلّه غَدًا ?
 هَا هِيَ اَلنَّوَاقِيس تَرِنّ فِي شُرُفَات اَلْمَآذِن بَدَل اَلْأَذَان وَهَا هِيَ اَلْمَسَاجِد تَطَأ نِعَال
 اَلصَّلِيبِيِّينَ فِي تُرْبَتهَا مَوَاقِع جِبَاه اَلْمُسْلِمِينَ وَهَا هُوَ اَلْمُسْلِم يَفِرّ بِدِينِهِ مِنْ مَكَان
 إِلَى مَكَان وَيَلُوذ بأكناف اَلْهِضَاب وَالشِّعَاب لَا يَسْتَطِيع أَنْ يُؤَدِّي شَعِيره مِنْ شَعَائِر
 دِينه إِلَّا فِي غَار كَهَذَا اَلْغَار اَلَّذِي أَعِيش فِيهِ :
 لَيْتَ اَلْمُسْلِمِينَ عَاشُوا دَهْرهمْ فَوْضَى لَا نِظَام لَهُمْ وَلَا مَلِك وَلَا سُلْطَان كَمَا يَعِيش
 اَلْمُشَرَّدُونَ فِي آفَاق اَلْبِلَاد فَقَدْ كَانَ ذَلِكَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَنْ يَتَوَلَّى أَمْرهمْ رِجَال
 مَثَلكُمْ طَامِعُونَ مُسْتَبِدُّونَ يَلُفُّونَ عَلَى أَعْنَاقهمْ جَمِيعًا غِلًّا وَاحِدًا يَسُوقُونَهُمْ بِهِ
 إِلَى مَوَارِد اَلتَّلَف وَالْهَلَاك مِنْ حَيْثُ لَا يَسْتَطِيعُونَ ذَوْدًا عَنْ أَنْفُسهمْ وَمَا تَفْعَل
 اَلْفَوْضَى وَبِأُمَّة مَا يَفْعَل بِهَا اَلِاسْتِبْدَاد .
 يَسْأَلكُمْ اَللَّه يَا بَنِي اَلْأَحْمَر عَنِّي وَعَنْ أَوْلَادِي اَلَّذِينَ اِنْتَزَعْتُمُوهُمْ مِنْ يَدِي
 اِنْتِزَاعًا أَحْوَج مَا كُنْت إِلَيْهِمْ وسقتوهم إِلَى مَيَادِين اَلْقِتَال لِيُقَاتِلُوا إِخْوَانهمْ
 اَلْمُسْلِمِينَ قِتَالًا لَا شَرَف فِيهِ وَلَا فَخَار حَتَّى مَاتُوا جَمِيعًا مَوْت اَلْأَذِلَّاء
 اَلْأَدْنِيَاء فَلَا أَنْتُمْ تَرَكْتُمُوهُمْ بِجَانِبِي آنَس بِهِمْ فِي وَحْشَتِي وَأَلْجَأ إِلَى مَعُونَتهمْ
 فِي شَيْخُوخَتِي وَلَا أَنْتُمْ ذَهَبْتُمْ بِهِمْ إِلَى مَيْدَان قِتَال شَرِيف فأتعزى عَنْهُمْ مِنْ بَعْدهمْ
 بِأَنَّهُمْ مَاتُوا فِدَاء دِينهمْ وَوَطَنهمْ .
 فَهَا أنذا عائش مِنْ بَعْدهمْ وَحْدِي فِي هَذَا اَلْغَار اَلْمُوحِش فَوْق هَذِهِ اَلصَّخْرَة
 اَلْمُنْقَطِعَة أَبْكِي عَلَيْهِمْ وَأَسْأَل اَللَّه أَنْ يُلْحِقنِي بِهِمْ فَمَتَى يَسْتَجِيب اَللَّه دُعَائِي ?
 ثُمَّ أَخْتَنِق صَوْته بِالْبُكَاءِ فَأَدَارَ وَجْهه وَمَشَى بِقَدَم مُطَمْئِنَة يَتَوَكَّأ عَلَى عَصَاهُ حَتَّى
 دَخَلَ مَغَارَته وَغَاب عَنْ اَلْعُيُوب فَنَالَتْ كَلِمَاته مِنْ نَفْس اَلْأَمِير مَا لَمْ يَنَلْ مِنْهَا
 ضَيَاع مَلِكه وَسُقُوط عَرْشه فَصَاحَ مَا هَذَا بَشَرًا إِنَّمَا صَوْت اَلْعَدْل اَلْإِلَهِيّ يُنْذِرنِي
 بِشَقَاء اَلْمُسْتَقْبَل فَوْق شَقَاء اَلْمَاضِي فَلْيَصْنَعْ اَللَّه بِي مَا يَشَاء فَعَدَّلَ مِنْهُ كُلّ مَا
 صَنَعَ .
 ثُمَّ اِنْحَدَرَ إِلَى سَفِينَته وَانْحَدَرَ أَهْله وَرَاءَهُ فَسَارَتْ اَلسَّفِينَة بِهِمْ تَشُقّ عُبَاب لِمَاء
 شَقًّا فَسِجِلّ اَلتَّارِيخ فِي تِلْكَ اَلسَّاعَة أَنَّ قَدْ تَمَّ جَلَاء اَلْعَرَب عَنْ اَلْأَنْدَلُس بَعْد مَا
 عَمَّرُوهَا ثَمَانمِائَة عَام .
 بَعْد مُرُور أَرْبَعَة وَعِشْرِينَ عَامًا عَلَى تِلْكَ اَلْحَوَادِث لَمْ يَبْقَ فِي إِفْرِيقِيَّة حَيّ مِنْ بَنِي
 اَلْأَحْمَر إِلَّا فَتَى فِي اَلْعِشْرِينَ مِنْ عُمْره أَسُمّهُ سَعِيد لَمْ يَرَ غَرْنَاطَة وَلَا قَصْر
 اَلْحَمْرَاء وَلَا اَلْمَرَج وَلَا جَنَّة اَلْعَرِيف وَلَا نَهْر شنيل وَلَا عَيْن اَلدَّمْع وَلَا جَبَل
 اَلثَّلْج وَلَكِنَّهُ مَا زَالَ يَحْفَظ فِي ذَاكِرَته مِنْ عَهْد اَلطُّفُولَة تِلْكَ اَلْأَنَاشِيد
 اَلْأَنْدَلُسِيَّة اَلْبَدِيعَة اَلَّتِي كَانَ يَتَرَنَّم بِهَا نِسَاء قَوْمه حَوْل مَهْده وَيُرَدِّدُونَ فِيهَا
 ذِكْر آبَائِهِ وَأَجْدَاده وَآثَار أَيْدِيهمْ وَعَزَّة سُلْطَانهمْ فِي تِلْكَ اَلْبِقَاع وَتِلْكَ اَلْمَرَاثِي
 اَلْمُحْزِنَة اَلْمُؤَثِّرَة اَلَّتِي بِكَيّ فِيهَا شُعَرَاء اَلْأَنْدَلُس ذَلِكَ اَلْمَجْد اَلسَّاقِط وَالْمَلِك
 المضاع فَكَانَ كُلَّمَا خَلَا إِلَى نَفْسه رَدَّدَ تِلْكَ اَلْمَرَاثِي بِنَغْمَة شَجِيَّة مُحْزِنَة تَسْتَثِير
 عِبْرَته وَتُهَيِّج أَشْجَانه فَلَا يَزَال يَبْكِي وَيَنْتَحِب حَتَّى يُشْرِف عَلَى اَلتَّلَف .
 فَكَّانِ لَا يَتَمَنَّى عَلَى اَللَّه مِنْ كُلّ مَا يَتَمَنَّى اِمْرُؤ عَلَى رَبّه فِي حَيَاته إِلَّا أَنْ يَرَى
 غَرْنَاطَة سَاعَة مِنْ زَمَان يَشْفِي بِهَا غَلَّة نَفْسه ثُمَّ لِيَصْنَع اَلدَّهْر بِهِ بَعْد ذَلِكَ مَا
 يَشَاء .
 وَكَانَ كُلَّمَا هُمْ بِالذَّهَابِ إِلَيْهَا قَعَدَ بِهِ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ وَرَاءَهُ عَجُوزًا مِنْ أَهْله مَرِيضَة
 وَمَا كَانَ يَسْتَطِيع أَنْ يَتْرُكهَا وَلَا يَجِد مَنْ يَعْتَمِد عَلَيْهِ فِي اَلْقِيَام بِشَأْنِهَا حَتَّى
 وَافَاهَا أَجْلهَا فَرَكْب اَلْبَحْر مِنْ سبتة إِلَى شَاطِئ ملقة ثُمَّ اِنْحَدَرَ مِنْهَا إِلَى
 غَرْنَاطَة مُتَنَكِّرًا فِي ثَوْب طَبِيب عَرَبِيّ مِنْ أَطِبَّاء اَلْأَعْشَاب بِتَقَبُّل فِي جيال اَلْأَنْدَلُس
 وَسُهُولهَا حَتَّى بَلَغَ ضَاحِيَتهَا سَاعَة اَلْأَصِيل فَوَقَفَ عَلَى هَضْبَة مِنْ هِضَاب جَبَل اَلثَّلْج
 فَرَأَى اَلْأَمْوَال تَنْزَلِق عَنْهُ فِي هُدُوء وَسُكُون كَأَنَّهَا فَوْق سَطْحه اَللَّامِع اَلْمُتَلَأْلِئ
 قَمِيص مِنْ اَلنُّور أَوْ قُبَّة مِنْ اَلْبَلُّور حَتَّى تَصِل إِلَى سَفْحه فَإِذَا هِيَ حَيَّات بَيْضَاء
 مَذْعُورَة تَنْبَعِث هَهُنَا وَهَهُنَا لَا هُمْ إِلَّا اَلنَّجَاة مِنْ يَد مُطَارِدهَا حَتَّى تَعْثُر بِجَدْوَل
 مَاء فِي طَرِيقهَا فَتُدَعِّم فِيهِ وَتَنْسَاب فِي أَحْشَائِهِ .
 ثُمَّ اِلْتَفَتَ إِلَى اَلْمَدَنِيَّة فَرَأَى عَلَى اَلْبُعْد أَبْرَاجهَا العقيقية اَلْحَمْرَاء وَقِبَابهَا
 لِعَالِيَة اَلشَّمَّاء وَمَآذِنهَا اَلذَّاهِبَة فِي جَوّ اَلسَّمَاء فَوَقَفَ أَمَام هَذَا اَلْمَنْظَر اَلْجَلِيل
 اَلْمَهِيب مَوْقِف اَلْخَاشِع المتخضع وَضَمَّ إِحْدَى يَدَيْهِ إِلَى اَلْأُخْرَى وَوَضْعهَا عَلَى صَدْره
 كَأَنَّمَا هُوَ قَائِم أَمَام اَلْمِحْرَاب يُؤَدِّي صِلَاته وَلَبِثَ عَلَى ذَلِكَ بُرْهَة ثُمَّ صَاحَ بِصَوْت
 عَالٍ رَدَدْته اَلْغَابَات والحرجات يَقُول .
 هَدَّا مِيرَاث آبَائِي وَأَجْدَادِي لَمْ يَبْقَ لِي مِنْهُ إِلَّا وَقْفَة بَيْن يَدَيْهِ كَوَقْفَة الثاكل
 المفجوع بَيْن أَيْدِي اَلْأَطْلَال البوالي وَالْآثَار الدوارس .
 هَذِهِ مَضَاجِعهمْ يَنَام فِيهَا أَعْدَاؤُهُمْ وَهُمْ لَا مَضَاجِع لَهُمْ إِلَّا رِمَال اَلصَّحْرَاء
 وَكُثْبَان الفلوات .
 هَذِهِ قُصُورهمْ تُشَرِّف عَلَى اَلْأَرْض اَلْفَضَاء وَتُطِلّ مِنْ عُيُون نَوَافِذهَا كَأَنَّمَا تَتَرَقَّب أَنْ
 يَعُودُوا إِلَيْهَا فَيُعَمِّرُوهَا كَمَا كَانُوا فَلَا يَفْعَلُونَ .
 هَذِهِ قبابهم بِالْإِغْوَاءِ رَافِعَة رَأْسهَا لَيْلهَا وَنَهَارهَا إِلَى اَلسَّمَوَات اَلْعُلَا تَدْعُو
 اَللَّه أَنْ يُعِيد إِلَيْهَا بُنَاتهَا وَحُمَاتهَا فَلَا يُسْتَجَاب لَهَا دُعَاء .
 فِي هَذِهِ اَلْبَسَاتِين كَانُوا يَنْعَمُونَ وَتَحْت هَذِهِ اَلظِّلَال كَانُوا يُقِلُّونَ وَعَلَى ضِفَاف هَذِهِ
 تتمة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

#footer-column-container { clear:both; } .footer-column { padding: 10px; }