السبت، 2 أبريل 2011

الهاوية


اَلْهَاوِيَة

مَوْضُوعَة


 مَا أَكْثَرَ أَيَّام اَلْحَيَاة وَمَااِقْلِهَا ?
 لَمْ أَعِشْ مِنْ تِلْكَ اَلْأَعْوَام اَلطِّوَال اَلَّتِي عِشْتهَا فيهذا اَلْعَالَم إِلَّا عَامًا وَاحِدًا
 مُرّ بِي كَمَا يَمُرّ اَلنَّجْم اَلدَّهْرِيّ فِي مَسَاء اَلدُّنْيَا لَيْلَة وَاحِدَة ثُمَّ لَا يَرَاهُ اَلنَّاس
 بَعْد ذَلِكَ .
 قَضَيْت اَلشَّطْر اَلْأَوَّل مِنْ حَيَاتِي أُفَتِّش عَنْ صَدِيق يَنْظُر إِلَى أَصْدِقَائِهِ بِعَيْن غَيْر اَلْعَيْن
 اَلَّتِي يُنِرْ بِهَا اَلتَّاجِر إِلَى سِلْعَته وَالزَّارِع إِلَى مَاشِيَته فأعوزني ذَلِكَ حتي عَرَفَتْ
 فَلَانَا مُنْذُ ثَمَانِي عَشْرَة عَامًا فَعَرَفَتْ اِمْرَأ مَا شِئْت أَنْ أَرَى خلة مِنْ خِلَال اَلْخَبَر
 وَالْمَعْرُوف فِي ثِيَاب رَجُل إِلَّا وَجَدْتهَا فِيهِ وَلَا تَخَلَّيْت صُورَة مِنْ صُوَر اَلْكَمَال
 اَلْإِنْسَانِيّ فِي وَجْه إِنْسَان إِلَّا أَضَاءَتْ لِي فِي وَجْهه فَجَلَتْ مَكَانَته عِنْدِي وَنَزَلَ مِنْ
 نَفْسَيْ مَنْزِلَة لَمْ يَنْزِلهَا أَحَد مِنْ قَبْله وَصَفَتْ كَأْس اَلْوِدّ بَيْنِي وَبَيْنه لَا يُكَدِّرهَا
 عَلَيْنَا مُكَدَّر حَتَّى عُرِّضَ إِلَى مَنْ حَوَادِث اَلدَّهْر مَا أَزْعَجَنِي مِنْ مُسْتَقَرِّي فَهَجَرَتْ
 اَلْقَاهِرَة إِلَى مَسْقَط رَاسِي غَيْر أَسَف عَلَى شَيْء فِيهَا إِلَّا عَلَى فِرَاق ذَلِكَ اَلصَّدِيق
 اَلْكَرِيم فَتُرَاسِلنَا حِقْبَة مِنْ اَلزَّمَن ثُمَّ فَتَرَتْ عَيْنَيْ كُتُبه ثُمَّ اِنْقَطَعَتْ فَحَزِنَتْ لِذَلِكَ
 حُزْنًا شَدِيدًا وَذَهَبَتْ بِي اَلظُّنُون فِي شا ; ه كُلّ مَذْهَب إِلَّا أَنْ أَرْتَاب فِي صِدْقه
 وَوَفَائِهِ وَكُنْت كَمَا هَمَمْت بِالْمُسَيَّرِ إِلَيْهِ لِتَعْرِف حَاله قَعَدَ بِي عَنْ ذَلِكَ هُمْ كَانَ
 يُقْعِدنِي عَنْ كُلّ شَأْن حَتَّى شَأْن نَفْسِيّ فَلَمْ أَعُدْ إِلَى لِقَاهِرَة إِلَّا بَعْد أَعْوَام فَكَانَ
 أَوَّل هَمِّي يَوْم هَبَطَتْ أَرْضهَا أَنْ أَرَاهُ فَذَهَبَتْ إِلَى مَنْزِله فِي اَلسَّاعَة اَلْأَوْلَى مِنْ
 اَللَّيْل فَرَأَيْت مَا لَا تَزَال حَسْرَته مُتَّصِلَة بِقَلْبِي حَتَّى اَلْيَوْم .
 تَرَكَتْ هَذَا اَلْمَنْزِل فِرْدَوْسًا صَغِيرًا مَنَّ فراديس اَلْجِنَان تَتَرَاءَى فِيهِ اَلسَّعَادَة فِي
 أَلْوَانهَا اَلْمُخْتَلِفَة وَتَتَرَقْرَق وُجُوه سَاكِنِيهِ بِشْرًا وَسُرُورًا ثُمَّ زُرْته اَلْيَوْم فَخُيِّلَ
 إِلَيَّ أَنَّنِي أَمَام مَقْبَرَة مُوحِشَة سَاكِنَة لَا يعتف فِيهَا صَوْت وَلَا يَتَرَاءَى فِي جَوَانِبهَا
 شَبَح وَلَا يَلْمَع فِي أَرْجَائِهَا مِصْبَاح فَظَنَنْت أَنِّي أَخْطَأْت اَلْمَنْزِل اَلَّذِي أُرِيدهُ أَوْ
 أَنَّنِي بَيْن يَدَيْ مَنْزِل مَهْجُور حَتَّى سَمِعَتْ بُكَاء طِفْل صَغِير وَلَمَّحَتْ فِي بَعْض اَلنَّوَافِذ
 نُورًا ضَعِيفًا فَمَشَيْت إِلَى اَلْبَاب فَطَرَقَتْهُ فَلَمْ يُجَنِّبنِي أَحَد فَطَرَقَتْهُ أُخْرَى فَلَمَحَتْ
 مِنْ خصاصه نُورًا مُقْبِلًا ثُمَّ لَمْ يَلْبَث أَنْ اِنْفَرَجَ لِي عَنْ وَجْه غُلَام صَغِير فِي أَسْمَال
 بَالِيَة يَحْمِل فِي يَده مِصْبَاحًا ضَئِيلًا فَتَأَمَّلَتْهُ عَلَى ضَوْء اَلْمِصْبَاح فَرَأَيْت فِي وَجْهه
 صُورَة أَبِيهِ فَعَرَفَتْ أَنَّهُ لَك اَلطِّفْل اَلْجَمِيل اَلْمُدَلَّل اَلَّذِي كَانَ بِالْأَمْسِ زَهْرَة هَذَا
 اَلْمَنْزِل وَبَدْر سَمَائِهِ فَسَأَلَتْهُ عَنْ أَبِيهِ فَأَشَارَ إِلَيَّ بِالدُّخُولِ وَمَشَى أَمَامِيّ بِمُصَاحِبِهِ
 حَتَّى وَصَلَ بِي إِلَى فَأَشَارَ إِلَى بِالدُّخُولِ وَمَشَى أَمَامِيّ بِالْإِغْوَاءِ حَتَّى وَصَلَ بِي إِلَيَّ
 قَاعَة شَعْثَاء مُغْبَرَّة بَالِيَة اَلْمَقَاعِد وَالْأَسْتَار وَلَوْلَا نُقُوش لَاحَتْ لِي فِي بَعْض
 جُدْرَانهَا كَبَاقِي اَلْوَشْم فِي ظَاهِر اَلْيَد مَا عَرَفَتْ أَنَّهَا اَلْقَاعَة اَلَّتِي قَضَيْنَا فِيهَا
 لَيَالِي اَلسَّعَادَة وَالْهَنَاء اِثْنَيْ عَشَر هِلَالًا ثُمَّ جَرَى بَيْنِي وَبَيْن اَلْغُلَام حَدِيث قَصِير
 عُرِفَ فِيهِ مَنْ أَنَا وَعَرَفَتْ أَنَّ أَبَاهُ لَمْ يَعُدْ إِلَى اَلْمَنْزِل حَتَّى اَلسَّاعَة وَأَنَّهُ عَائِد
 عَمَّا قَلِيل ثُمَّ تَرَكَنِي وَمَضَى وَمَا لِيَبُثّ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى عَادَ يَقُول لِي إِنَّ وَالِدَته
 تُرِيد أَنْ تُحَدِّثنِي حَدِيثًا يَتَعَلَّق بِأَبِيهِ فَخَفْق قَلْبِيّ خَفْقَة اَلرُّعْب وَالْخَوْف وَأَحْسَسْت
 بِشَرّ لَا أَعْرِف مأتاه ثُمَّ اِلْتَفَّتْ فَإِذَا اِمْرَأَة مُلْتَفَّة بِرِدَاء أَسْوَد وَاقِفَة عَلَى عَتَبَة
 اَلْبَاب فَحَيَّتْنِي فحييتها ثُمَّ قَالَتْ لِي هَلْ عَلِمَتْ مَا صَنَعَ اَلدَّهْر بِفُلَان مَنْ بَعَّدَك
 قُلْت لَا فَهَذَا أَوَّل يَوْم هَبَطَتْ فِيهِ هَذَا اَلْبَلَد بَعْد مَا فَارَقَتْهُ سَبْعَة أَعْوَام قَالَتْ
 لَيْتَك لَمْ تُفَارِقهُ فَقَدْ كُنْت عِصْمَته اَلَّتِي يَعْتَصِم بِهَا وَحِمَاهُ مِنْ غوائل اَلدَّهْر
 وَشُرُوره فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ فَارَقَتْهُ حَتَّى أَحَاطَتْ بِهِ زُمْرَة مِنْ زَمْر اَلشَّيْطَان وَكَانَ فَنِّيّ
 كَمَا تُعَلِّمهُ غريرا سَاذَجًا فَمَا زَالَتْ تُغْرِيه بِالشَّرِّ وَتَرَيْنَ لَهُ مِنْهُ مَا يُزَيِّن
 اَلشَّيْطَان لِلْإِنْسَانِ حَتَّى سَقَطَ فِيهَا فَسَقَطْنَا جَمِيعًا فِي هَذَا اَلشَّقَاء اَلَّذِي تَرَاهُ قُلْت
 وَأَيّ شَرّ تُرِيدِينَ يَا سَيِّدَتِي وَمَنْ هُمْ اَلَّذِينَ أَحَاطُوا بِهِ بِالْإِغْوَاءِ قَالَتْ سَأَقُصُّ عَلَيْك
 كُلّ شَيْء فَاسْتَمِعْ لِمَا أَقُول :
 مَا زَالَ اَلرَّجُل بِخَيْر اِتَّصَلَ بِفُلَان رَئِيس دِيوَانه وَعُلِّقَتْ حِبَاله وَأَصْبَحَ مِنْ خَاصَّته
 اَلَّذِينَ لَا يُفَارِقُونَ مَجْلِسه حَيْثُ كَانَ وَلَا تَزَال نِعَالهمْ خَافِقَة وَرَاءَهُ فِي غدواته
 وروحاته فَاسْتَحَالَ مِنْ ذَلِكَ اَلْيَوْم أَمْره وَتَنَكَّرَتْ صُورَة أخلافه وَأَصْبَحَ مُنْقَطِعًا عَنْ
 أَهْله وَأَوْلَاده لَا يَرَاهُمْ إِلَّا اَلْفَنِّيَّة بَعْد اَلْفَنِّيَّة وَعَنْ مَنْزِله لَا يَزُورهُ إِلَّا فِي
 أُخْرَيَات اَللَّيَالِي وَلَقَدْ اِغْتَبَطَتْ فِي مَبْدَأ اَلْأَمْر بِتِلْكَ اَلْحُظْوَة اَلَّتِي نَالَهَا عِنْد
 ذَلِكَ اَلرَّئِيس وَالْمَنْزِلَة اَلَّتِي نَالَهَا مِنْ نَفْسه وَرَجَوْت لَهُ مِنْ وَرَائِهَا خَيْرًا كَثِيرًا
 مغتفرة فِي سَبِيل ذَلِكَ مَا كُنْت أَشْعُر بِهِ مِنْ اَلْوَحْشَة وَالْأَلَم لِانْقِطَاعِهِ عَنِّي
 وَإِغْفَاله أَمْرِي وَأَمْر أَوْلَاده حَتَّى عَادَ فِي لَيْلَة مِنْ اَللَّيَالِي شَاكِيًا مُتَأَلِّمًا
 يُكَابِد غصصا شَدِيدَة وَآلَامًا جِسَامًا فَدَنَوْت مِنْهُ فَشَمَمْت مِنْ فَمه رَائِحَة اَلْخَمْر
 فَعَلِمَتْ كُلّ شَيْء .
 عَلِمَتْ أَنَّ ذَلِكَ اَلرَّئِيس اَلْعَظِيم هُوَ قُدْوَة مَرْءُوسِيهِ فِي اَلْخَيْر إِنْ سَلَكَ طَرِيق اَلْخَيْر
 وَالشَّرّ إِنْ سَلَكَ طَرِيق اَلشَّرّ قَادَ زَوْجِي اَلْفَتِيّ اَلْمِسْكِين إِلَى شَرّ اَلطَّرِيقَيْنِ وَسَلَكَ بِهِ
 أَسْوَأ اَلسَّبِيلَيْنِ وَأَنَّهُ مَا كَانَ يَتَّخِذهُ صَدِيقًا كَمَا زَعَمَ بَلْ نَدِيمًا عَلَى اَلشَّرَاب
 فَتَوَسَّلَتْ إِلَيْهِ بِكُلّ عَزِيز عَلَيْهِ وَسَكَبَتْ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ اَلدُّمُوع كُلّ مَا تَسْتَطِيع أَنْ
 تَسْكُبهُ عَيْن رَجَاء أَنْ يَعُود إِلَى حَيَاته اَلْأُولَى اَلَّتِي كَانَ يحياها سَعِيدًا بَيْن
 أَهْله وَأَوْلَاده فَمَا أَجْدَيْت عَلَيْهِ شَيْئًا ثُمَّ عَلِمَتْ بَعْد ذَلِكَ أَنَّ اَلْيَد اَلَّتِي سَاقَتْهُ
 إِلَى اَلشَّرَاب قَدْ سَاقَتْهُ إِلَى اَللَّعِب فَلَمْ أَعْجَب لِذَلِكَ لِأَنِّي أَعْلَم أَنَّ طَرِيق اَلشَّرّ
 وَاحِدَة فَمَنْ وَقَفَ عَلَى رَأْسهَا لَابُدَّ لَهُ أَنْ يَنْحَدِر فِيهَا حَتَّى يَصِل إِلَى نِهَايَتهَا
 فَأَصْبَحَ ذَلِكَ اَلْفَنِّيّ اَلنَّبِيل اَلشَّرِيف اَلَّذِي كَانَ يَعِفّ بِالْأَمْسِ عَنْ شُرْب اَلدَّوَاء إِذَا
 اِشْتَمَّ فِيهِ رَائِحَة اَلنَّبِيذ وَيَسْتَحِي أَنْ يَجْلِس فِي مُجْتَمَع يَجْلِس فِيهِ قَوْم شَارِبُونَ
 سِكِّيرًا مُقَامِرًا مُسْتَهْتِرًا لَا بِالْإِغْوَاءِ وَلَا يتلوم وَلَا يُبْقِي عَارًا وَلَا مأثما وَأَصْبَحَ
 ذَلِكَ اَلْأَب اَلرَّحِيم وَالزَّوْج اَلْكَرِيم اَلَّذِي كَانَ يَضَنّ بِأَوْلَادِهِ أَنْ يُعَلِّق بِهِمْ الذر
 وَبِزَوْجِهِ أَنْ يَتَهَجَّم لَهَا وَجْه اَلسَّمَاء أَبَا قَاسِيًا وَزَوْجًا سَلِيطًا يَضْرِب أَوْلَاده كُلَّمَا
 دُنُوّ مِنْهُ وَيَشْتُم زَوْجَته وينتهرها كُلَّمَا رَآهَا وَأَصْبَحَ ذَلِكَ اَلرَّجُل اَلْغَيُور اَلضَّنِين
 بِعَرْضِهِ وَشَرَفه لَا يُبَالِي أَنْ يَعُود إِلَى اَلْمَنْزِل فِي بَعْض اَللَّيَالِي فِي جَمْع مِنْ
 عشرائه اَلْأَشْرَار فَيَصْعَد بِهِمْ إِلَى اَلطَّبَقَة اَلَّتِي أَنَام فِيهَا أَنَا وَأَوْلَادِي فَيَجْلِسُونَ
 فِي بَعْض غُرَفهَا وَلَا يَزَالُونَ يَشْرَبُونَ وَيَقْصِفُونَ حَتَّى يَذْهَب بِعُقُولِهِمْ اَلشَّرَاب
 فيهتاجوا وَيَرْقُصُوا بِالْإِغْوَاءِ اَلْجَوّ صُرَاخًا وَهُتَافًا ثُمَّ يتعادوا بَعْضهمْ وَرَاء فِي
 الأبهاء وَالْحُجُرَات حَتَّى يَلِجُوا عَلَى بَاب غُرْفَتِي وَرُبَّمَا حَدَّقَ بَعْضهمْ فِي وَجْهِي أَوْ
 حَاوَلَ نَزْع خِمَارِي عَلَى مَرْأَى مِنْ زَوْجِي وَمَسْمَع فَلَا يَقُول شَيْئًا وَلَا يَسْتَنْكِر أَمْرًا
 فَأَفِرّ بَيْن أَيْدِيهمْ مِنْ مَكَان إِلَى مَكَان وَرُبَّمَا فَرَرْت مِنْ اَلْمَنْزِل جَمْعَيْهِ وَخَرَجْت بِلَا
 إِزَار وَلَا خِمَار غَيْر إِزَار اَلظَّلَّام وَخِمَاره حَتَّى أَصِل إِلَى بَيْت جَارَة مِنْ جَارَاتِي
 فَأَقْضِي عِنْدهمْ بَقِيَّة اَللَّيْل .
 وَهُنَا تَغَيَّرَتْ نَغْمَة صَوْتهَا فَأَمْسَكَتْ عَنْ اَلْحَدِيث وَأَطْرَقَتْ بِرَأْسِهَا فَعَلِمَتْ أَنَّهَا تَبْكِي
 فَبَكَيْت بَيْنِي وَبَيْن نَفْسِيّ لِبُكَائِهَا ثُمَّ رَفَتْ رَأْسهَا وَعَادَتْ إِلَى حَدِيثهَا تَقُول :
 وَمَا هِيَ إِلَّا أَعْوَام قَلَائِل حَتَّى أَنْفَقَ جَمِيع مَا كَانَ فِي يَده مِنْ اَلْمَال فَكَّانِ لَابُدَّ
 لَهُ أَنْ يَسْتَدِين فَفَعَلَ فَأَثْقَلَهُ اَلدَّيْن فَرَهَنَ فَعَجَزَ عَنْ اَلْوَفَاء فَبَاعَ جَمِيع مَا يَمْلِك
 حَتَّى هَذَا اَلْبَيْت اَلَّذِي نَسْكُنهُ وَلَمْ يَبْقَ فِي يَده غَيْر رَاتِبه اَلشَّهْرِيّ اَلصَّغِير بَلْ لَمْ
 يَبْقَ فِي يَده شَيْء حَتَّى رَاتِبه لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكهُ إِلَّا سَاعَة مِنْ نَهَار ثُمَّ هُوَ بَعْد ذَلِكَ
 مِلْك لِلدَّائِنِينَ أَوْ غَنِيمَة لِلْمُقَامِرِينَ .
 هَذَا مَا صَنَعَتْ يَد اَلدَّهْر بِهِ أَمَّا مَا صَنَعَتْ بِي وَبِأَوْلَادِي فَقَدْ مَرَّ عَلَى آخَر حلية
 بِعْتهَا مِنْ حَلَّايَ عَام كَامِل وَهَا هِيَ حَوَانِيت اَلْمُرَابِينَ والمسترهنين مَلْأَى بِمَلَابِسِي
 وَأَدَوَات بَيْتِي وَأَثَاثه وَلَوْلَا رِجْل مِنْ ذَوِي بِالْإِغْوَاءِ رَقِيق اَلْحَال يَعُود عَلَيَّ مِنْ حِين
 إِلَى حِين بِالنَّزْرِ اَلْقَلِيل مِمَّا يَسْتَلّهُ مِنْ أشداق عِيَاله لَهَلَكَتْ وَهَلَكَ أَوْلَادِي جُوعًا
 .
 فَلَعَلَّك تَسْتَطِيع يَا سَيِّدِي أَنْ تَكُون عَوْنًا لِي عَلَى هَذَا اَلرَّجُل اَلْمِسْكِين فَتُنْقِذهُ مِنْ
 شَقَائِهِ وَبَلَائِهِ بِمَا تَرَى لَهُ فِي ذَلِكَ اَلرَّأْي اَلصَّالِح وَأَحْسَب أَنَّك تَقْدِر مِنْهُ لِلْمَنْزِلَةِ
 اَلَّتِي تُنْزِلهَا مِنْ نَفْسه عَلَى مَا عَجَزَ عَنْهُ اَلنَّاس جَمِيعًا فَإِنْ فَعَلَتْ أَحْسَنَتْ إِلَيْهِ
 وَإِلَيْنَا إِحْسَانًا لَا نَنْسَى يَدك فَبِهِ حَتَّى اَلْمَوْت .
 ثُمَّ حَيَّتْنِي وَمَضَتْ لِسَبِيلِهَا فَسَأَلَتْ اَلْغُلَام عَنْ اَلسَّاعَة اَلَّتِي استطيع أَنْ أَرَى أَبَاهُ
 فِيهَا فِي اَلْمَنْزِل فَقَالَ إِنَّك تَرَاهُ فِي اَلصَّبَاح قَبْل ذَهَابه إِلَى اَلدِّيوَان فَانْصَرَفَتْ
 لِشَأْنِي وَقَدْ أَضْمَرَتْ بَيْن جَنْبَيْ لَوْعَة مَا زَالَتْ تُقِيمنِي وَتُقْعِدنِي وَتَذُود عَنْ عَيْنَيْ سَنَة
 الكرى حَتَّى اِنْقَضَى اَللَّيْل وَمَا كَادَ يَنْقَضِي .
 ثُمَّ عُدْت فِي صَبَاح اَلْيَوْم اَلثَّانِي لِأَرَى ذَلِكَ اَلصَّدِيق اَلْقَدِيم اَلَّذِي كُنْت بِالْأَمْسِ
 أَسْعَد اَلنَّاس بِهِ وَلَا أَعْلَم مَا مَصِير أَمْرِي مَعَهُ بَعْد ذَلِكَ وَفِي نَفْسِي مِنْ اَلْقَلَق
 وَالِاضْطِرَاب مَا يَكُون فِي نَفْس اَلذَّاهِب إِلَى مَيْدَان سَبَّاق قَدْ خَاطَرَ فِيهِ بِجَمِيع مَا
 يَمْتَلِك فَهُوَ لَا يَعْلَم أَيُكَوِّنُ بَعْد سَاعَة أَسْعَد اَلنَّاس أَمْ أَشْقَاهُمْ ?
 اَلْآن عَرَفَتْ أَنَّ اَلْوُجُوه مَرَايَا اَلنُّفُوس تُضِيء بِضِيَائِهَا وَتَظْلِم بِظَلَامِهَا فَقَدْ فَارَقَتْ
 اَلرَّجُل مُنْذُ سَبْع سَنَوَات فَأَنْسَتْنِي اَلْأَيَّام صُورَته وَلَمْ يَبْقَ فِي ذَاكِرَتِي مِنْهَا إِلَّا
 ذَلِكَ اَلضِّيَاء اَللَّامِع ضِيَاء اَلْفَضِيلَة وَالشَّرَف اَلَّذِي كَانَ يَتَلَأْلَأ فِيهَا تَلَأْلُؤ نُور
 اَلشَّمْس فِي صَفْحَتهَا فِلْمَا رَايَته اَلْآن وَلَمْ أَرَ أَمَام عَيْنَيْ تِلْكَ الغلالة اَلْبَيْضَاء
 اَلَّتِي كُنْت أَعْرِفهَا خَيْل إِلَيَّ أَنَّنِي أَرَى صُورَة غَيْر اَلصُّورَة اَلْمَاضِيَة وَرَجُلًا غَيْر
 اَلَّذِي كُنْت أَعْرِفهُ مِنْ قَبْل .
تتمة. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

#footer-column-container { clear:both; } .footer-column { padding: 10px; }