السبت، 2 أبريل 2011

الجزاء


اَلْجَزَاء

مُتَرْجَمَة


 جَلَسَتْ عَلَى ضَفَّة اَلْبُحَيْرَة لِتَمْلَأ جَرَّتهَا وَكَانَ اَلْمَاء سَاكِنًا هَادِئًا كَأَنَّمَا قَدْ
 أمتدت فَوْق سَطْحه طَبَقَة لَامِعَة مِنْ اَلْجَلِيد فَعَزَّ عَلَيْهَا أَنْ تَكْسِر بِيَدِهَا هَذِهِ اَلْمِرْآة
 اَلنَّاعِمَة الصقيلة وَلَا شَيْء أَحَبّ إِلَى اَلْمَرْأَة مِنْ اَلْمَرْأَة فَظَلَّتْ تَقْلِب نَظَرهَا فِيهَا
 فَلَمَحَتْ فِي صَفْحَتهَا وَجْهًا أَبْيَض رَائِقًا يَنْظُر إِلَيْهَا نَظَرًا عَذْبًا فَاتِرًا فَابْتَسَمَتْ لَهُ
 فَابْتَسَمَ لَهَا فَعَلِمَتْ أَنَّهُ اَلْوَجْه اَلَّذِي أَفْتِن بِهِ خَطِيبهَا لِقَرَوِيّ اَلْجَمِيل .
 أَنِسَتْ بِهَذَا اَلْمَنْظَر سَاعَة ثُمَّ رَاعَهَا أَنْ رَأَتْ بِجَانِب خَيَالهَا فِي اَلْمَاء خَيَالًا آخَر
 فَتَبَيَّنَتْهُ فَإِذَا بِهِ خَيَال رَجُل فَذُعِرَتْ وَلَكِنَّهَا لَمْ تَلْتَفِت وَرَاءَهَا وَمَدَّتْ يَدهَا إِلَى
 اَلْمَاء فَمَلَأَتْ جَرَّتهَا ثُمَّ نَهَضَتْ لِتَحَمُّلِهَا فَتَقَدَّمَ إِلَيْهَا ذَلِكَ اَلْوَاقِف بِجَانِيهَا وَقَالَ
 لَهَا هَلْ تَأْذَنِينَ لِي يَا سَيِّدَتِي أَنْ أُعِينك عَلَى حَمْل جَرَّتك فَالْتَفَتَ فَإِذَا فَتِيّ حَضَرِيّ
 غَرِيب حَسَن اَلصُّورَة وَالْبِزَّة لَا تُعَرِّفهُ وَلَا تَعْرِف أَنَّ هَذِهِ اَلْأَرْض مِمَّا تَنْبُت مِثْله
 فَرَابَهَا أَمْره وَاتَّقَدَ وَجْههَا حَيَاء وَخَجَلًا وَلَمْ تَقُلْ شَيْئًا وَاسْتَلْقَتْ جَرَّتهَا وَمَضَتْ فِي
 سَبِيلهَا .
 نَشَأَتْ سُوزَان وَابْن عَمّهَا جلبرت فِي بَيْت وَاحِد كَمَا تَنْشَأ اَلزَّهْرَتَانِ اَلْمُتَعَانِقَتَانِ
 فِي مغرس وَاحِد فَرَضَعَتْ مَعَهُ وَلِيدَة وَلَعِبَتْ مَعَهُ طِفْلَة وَأَحَبَّتْهُ فَتَاة وَمَرَّتْ بِهِمَا فِي
 جَمِيع تِلْكَ اَلْأَدْوَار .
 سَعَادَة لَمْ يَسْتَمِدّهَا مِنْ اَلْقُصُور وَالْبَسَاتِين وَالْأَرَائِك وَالْأُسْرَة وَالْحِيَاد
 وَالْمُرَكَّبَات وَالْأَكْوَاب والدنان والمزاهر وَالْعِيدَانِ وَالذَّهَب اَللَّامِع وَاللُّؤْلُؤ
 اَلسَّاطِع وَالْأَثْوَاب اَلْمُطَرَّزَة وَالْغَلَائِل اَلْمُرَصَّعَة لِأَنَّهُمَا كَانَا قريين فَقِيرَيْنِ بَلْ
 اِسْتَمَدَّهَا مِنْ مَطْلَع اَلشَّمْس وَمَغْرِبهَا وَإِقْبَال اَللَّيْل وَإِدْبَاره وَتَلَأْلُؤ اَلسَّمَاء
 بِنُجُومِهَا اَلزَّاهِرَة وَالْأَرْض بِأَعْشَابِهَا اَلنَّاضِرَة وَمِنْ اَلْوَقَفَات اَلطِّوَال فَوْق اَلصُّخُور
 اَلْبَارِزَة عَلَى ضِفَاف اَلْبُحَيْرَة اَلْهَادِئَة وَالْجَلَسَات اَلْحُلْوَة اَلْجَمِيلَة عَلَى اَلْأَعْشَاب
 اَلنَّاعِمَة تَحْت ظِلَال اَلْأَشْجَار الوارقة وَمِنْ سَمَاع أَنَاشِيد اَلْحَيَاة وَأَغَانِي اَلرُّعَاة
 وَضَوْضَاء اَلسَّمَاء فِي غُدُوّهَا وَرَوَاحهَا وَبُكَاء اَلنَّوَاعِير فِي مَسَائِهَا وَصَبَاحهَا وَمِنْ
 اَلْحُبّ اَلطَّاهِر اَلشَّرِيف اَلَّذِي يُشْرِق عَلَى اَلْقُلُوب اَلْحَزِينَة فَيُسْعِدهَا وَالْأَفْئِدَة
 اَلْمُظْلِمَة فَيُنِيرهَا وَالْأَجْنِحَة اَلْكَسِيرَة فيريشها وَاَلَّذِي هُوَ اَلْعَزَاء اَلْوَحِيد عَنْ كُلّ
 فَائِت فِي هَذِهِ اَلْحَيَاة وَالسَّلْوَى عَنْ كُلّ مَفْقُود وَلَمْ يَزَلْ هَذَا شَأْنهَا حَتَّى كَانَ يَوْم
 اَلْبُحَيْرَة .
 لَا تَعْرِف اَلْمَرْأَة لَهَا وُجُودًا إِلَّا فِي عُيُون اَلرِّجَال وَقَلَبُوهُمْ فَلَوْ خَلَتْ رُقْعَة
 اَلْأَرْض مِنْ وُجُوه اَلنَّاظِرَيْنِ أَوْ أَقْفَرَتْ حَنَايَا اَلضُّلُوع مِنْ خوافق اَلْقُلُوب لِأُصْبِح
 اَلْوُجُود وَالْعَدَم فِي نَظَرهَا سَوَاء وَلَوْ أَنَّ وَرَاءَهَا أَلْف عَيْن تَنْظُر إِلَيْهَا ثُمَّ لَمَحَتْ
 فِي كَوْكَب مِنْ كَوَاكِب اَلسَّمَاء نَظْرَة حُبّ أَوْ سَمِعَتْ فِي زَاوِيَة مِنْ زَوَايَا اَلْأَرْض أَنَّة
 وَجِدّ لِأَعْجَبِهَا ذَلِكَ اَلْغَرَام اَلْجَدِيد وَمَلَأَ قَبْلهَا غِبْطَة وَسُرُورًا .
 فَقَدْ عَادَتْ اَلْفَتَاة إِلَى بَيْتهَا طَيِّبَة اَلنَّفْس قَرِيرَة اَلْعَيْن مَزْهُوَّة مُخْتَالَة لَا لِأَنَّ
 حُبًّا جَدِيدًا حَلَّ فِي قَلْبهَا مَحَلّ اَلْحَبّ اَلْقَدِيم وَلَا لِأَنَّ نَفْسهَا حَدَّثْتهَا أَنْ تَصِل
 حَيَاتهَا بِحَيَاة أَحَد غَيْر خَطِيبهَا بَلْ لِأَنَّهَا وَجَدَتْ فِي طَرِيقهَا بُرْهَانًا جَدِيدًا عَلَى
 جَمَالهَا فَأَعْجَبَهَا فَكَانَتْ لَا تَزَال تَخْتَلِف بَعْد ذَلِكَ بِجَرَّتِهَا إِلَى اَلْبُحَيْرَة غَيْر
 خَائِفَة وَلَا مُرْتَابَة فَتَرَى ذَلِكَ اَلسَّيِّد اَلْحَضَرِيّ فِي غُدُوّهَا أَوْ رَوَاحهَا يُحَيِّيهَا أَوْ
 يَبْتَسِم إِلَيْهَا زَهْرَة جَمِيلَة أَوْ يُلْقِي فِي اذنها كَلِمَة عَذْبَة حَتَّى اِسْتَطَاعَ فِي يَوْم مِنْ
 اَلْأَيَّام أَنْ يَجْلِس بِجَانِبِهَا لَحْظَة قَصِيرَة فِي ظِلّ صَخْرَة مُنْفَرِدَة فَكَانَتْ هَذِهِ اَللَّحْظَة
 آخِر عَهْدهَا بِحَيَاتِهَا اَلْقَدِيمَة وَأَوَّل عُهَدهَا بِحَيَاتِهَا اَلْجَدِيدَة .
 هَبَّطَ اَلْمَرْكَز جُوسْتَاف روستان هَذِهِ اَلْأَرْض مُنْذُ أَيَّام لِتَفَقُّد مَزَارِعه فِيهَا وَكَانَ لَا
 يَزَال يَخْتَلِف إِلَيْهَا مِنْ حِين إِلَى حِين فَيَقْضِي فِي قَصْره اَلْجَمِيل اَلَّذِي بَنَاهُ فِيهَا
 عَلَى بُعْد سَاعَتَيْنِ مِنْ اَلْبُحَيْرَة بِضْعَة أَيَّام ثُمَّ يَعُود إِلَى بَلْدَته نيس حَتَّى رَأَى هَذِهِ
 اَلْمَرَّة هَذِهِ اَلْفَتَاة فِي بَعْض غدواته إِلَى ضِفَاف اَلْبُحَيْرَة فاستلهاه حُسْنهَا وَمَا زَالَ
 بِهَا يَفِيض عَلَى قَلْبهَا مِنْ حُبّه وَعَلَى أُذُنهَا مِنْ سِحْره وَعَلَى جِيدهَا بِالْإِغْوَاءِ مِنْ
 لَآلِئه وَجَوَاهِره وَيُصَوِّر لَهَا جَمَال اَلْحَيَاة اَلْحَضَرِيَّة فِي أَجْمَل صُوَرهَا وَأَبْهَاهَا
 اَلْأَمَانِي اَلْكِبَار فِي حَاضِرهَا وَمُسْتَقْبَلهَا حَتَّى أَذْعَنَتْ واستقادت وَخَضَعَتْ لِلَّتِي تَخْضَع
 لَهَا كُلّ أُنْثَى نَامَتْ عَنْهَا عَيْن رَاعِيهَا وَأُسَلِّمهَا حَظّهَا إِلَى أَنْيَاب اَلذِّئَاب .
 اِسْتَيْقَظَ اَلْفَتِيّ جلبرت فِي اَلسَّاعَة اَلَّتِي يَسْتَيْقِظ فِيهَا مِنْ صَبَاح كُلّ يَوْم فَعَمَدَ إِلَى
 بَقَرَته فَحَلَّ عِقَالهَا ثُمَّ هَتَفَ بِاسْم سُوزَان يَدْعُوهَا إِلَى اَلذَّهَاب مَعَهُ إِلَى اَلْمَرْعَى
 فَلَمْ تَجُبّهُ فَصَعِدَ إِلَى غُرْفَتهَا فِي سَطْح اَلْمَنْزِل لِيُوقِظهَا فَلَمْ يَجِدهَا فَسَأَلَ عَنْهَا أُمّه
 فَلَمْ تَعْلَم مَنْ أَمْرهَا أَكْثَر مِمَّا يَعْلَم فَظَنَّ أَنَّهَا خَرَجَتْ لِقَضَاء بَعْض اَلشُّؤُون ثُمَّ تَعُود
 فَلَبِثَ يَنْتَظِرهَا وَقْتًا طَوِيلًا فَلَمْ تَعُدْ فَرَابَهُ اَلْأَمْر وَأَعَادَ اَلْبَقَرَة إِلَى معتلفها
 وَخَرَجَ يُفَتِّش عَنْهَا فِي كُلّ مَكَان وَيُسَائِل عَنْهَا اَلنَّاس جَمِيعًا غاديهم ورائحهم فِلْمَيْ
 جَدّ مَنْ يَدُلّهُ عَلَيْهَا حَتَّى أَظَلَّهُ اَللَّيْل فَعَادَ حرينا مُكْتَئِبًا لَا يَرَى أَنَّ أَحَدًا عَلَى
 وَجْه اَلْأَرْض أَعْظَم لَوْعَة مِنْهُ وَلَا أَشْقَى أُمّه قَابِعَة فِي كَسْر اَلْبَيْت مِطْرَقَة بِرَأْسِهَا
 تفلي اَلتُّرَاب بِعُود فِي يَدهَا فَدَنَا مِنْهَا فَرَفَعَتْ رَأْسهَا إِلَيْهِ وَقَالَتْ لَهُ أَيْنَ كُنْت
 يَا جلبرت ? قَالَ فَتَّشْت عَنْ سُوزَان فِي كُلّ مَكَان فَلَمْ أَجِدهَا فَأَلْقَتْ عَلَيْهِ نَظْرَة
 مَمْلُوءَة حُزْنًا وَدُمُوعًا وَقَالَتْ خَيْر لَك يَا بَنِي أَلَّا تَنْتَظِرهَا بَعْد اَلْيَوْم فَانْتَفَضَ
 اِنْتِفَاضَة شَدِيدَة وَقَالَ لِمَاذَا قَالَتْ قَدْ دَخَلَتْ عَلَى اَلسَّاعَة جَارَتنَا فُلَانَة فَحَدَّثَتْنِي
 أَنَّهَا مَا زَالَتْ تَرَاهَا مُنْذُ لَيَالِي تَخْتَلِف إِلَى اَلْبُحَيْرَة لِلِاجْتِمَاعِ عَلَى ضِفَافهَا
 بِفَتِيّ حَضَرِيّ غَرِيب عَنْ هَذِهِ اَلْمُدِرَّة أَحْسَبهُ اَلْمَرْكَز جُوسْتَاف صَاحِب هَذِهِ اَلْمَزَارِع اَلَّتِي
 تَلِينَا وَالْقَصّ اَلْأَحْمَر اَلَّذِي يَلِيهَا وَقَالَتْ لِي إِنَّهَا رَأَتْهَا لَيْلَة أَمْس بَعْد مُنْتَصَف
 اَللَّيْل رَاكِبَة وَرَاءَهُ عَلَى فَرَس أَشْهَب يَعْدُو بِهَا فِي طَرِيق اَلْقَصْر اَلْأَحْمَر وَلَا بُدّ
 أَنَّهَا فَرَّتْ مَعَهُ فَصَرَخَ جلبرت صَرْخَة جَادَتْ لَهَا نَفْسه أَوْ كَادَتْ وَخِدْر فِي مَكَانه صَعِقَا
 فَلَمْ تَزَلْ أُمّه جَاثِيَة بِجَانِبِهِ اَللَّيْل كُلّه تَبْكِي عَلَيْهِ مَرَّة وَتَمْسَح جَبِينه بِالْمَاءِ
 أُخْرَى حَتَّى استفاق فِي مَطْلَع اَلْفَجْر فَنَظَرَ حَوْله نَظْرَة حَائِرَة فَرَأَى أُمّه مكبة عَلَى
 وَجْههَا تَبْكِي فَذَكَرَ كُلّ ذَلِكَ فَأَطْرُق هُنَيْهَة ثُمَّ رَفَعَ رَأْسه وَوَضْع يَده عَلَى عَاتِقهَا
 وَسَأَلَهَا مَا بُكَاؤُك يَا أُمَّاه ?
 قَالَتْ أَبْكِي عَلَيْك يَا بَنِي وَعَلَيْهَا قَالَ إِنْ كُنْت بَاكِيَة قَبْلك عَلَى غَيْرِي أَمَّا أَنَا
 فَلَسْت بِحَزِين وَلَا بَاكٍ فَقَدْ كُنْت أَحْبَبْت هَذِهِ اَلْفَتَاة لِأَنَّهَا كَانَتْ تُحِبّنِي وَقَدْ
 اِسْتَحَالَ قَلْبِي اَلْآن إِلَى اَلصَّخْرَة عَاتِيَة لَا يَنَال مِنْهَا شَيْء فَلَا رَجْعَة لِي إِلَيْهَا
 بَعْد اَلْيَوْم ثُمَّ مَسَحَ عَنْ خَدّه آخَر دَمْعَة كَانَتْ تَنْحَدِر فِيهِ وَقَامَ إِلَى بَقَرَته فَأَخَذَ
 بِزِمَامِهَا وَمَضَى بِهَا إِلَى اَلْمَزْرَعَة وَحْده .
 لَقَدْ كَذَّبَتْ اَلْمِسْكِين نَفْسه فَإِنَّهُ مَا سَلَّا سُوزَان وَلَا هَدَأَتْ عَنْ قَلْبه لَوْعَة حُبّهَا
 وَلَكِنَّهَا الغضبة اَلَّتِي يُغْضِبهَا اَلْمُحِبّ اَلْمَهْجُور تُخَيَّل إِلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ نَفَضَ يَده مِنْ
 اَلْمُحِبّ أَشَدّ مَا يَكُون بِهِ عَالِقًا فَإِنَّهُ مَا وَصَلَ إِلَى اَلْمَزْرَعَة وَأَرْسَلَ سائمته فِي
 مَرْعَاهَا حَتَّى رَأَى كَوْكَب اَلشَّمْس يتناهض مِنْ مَطْلَعه قَلِيلًا قَلِيلًا وَيُرْسِل أَشِعَّته
 اَلْيَاقُوتِيَّة اَلْحَمْرَاء عَلَى هَذِهِ اَلْكَائِنَات فَتُنِير ظَلَامهَا وَتَجْلُو صَفْحَتهَا وَتَتَرَقْرَق
 مَا بَيْن خضرائها وغبرائها فَأَعْجَبَهُ مَنْظَر هَذِهِ اَلطَّبِيعَة اَلْمُتَلَأْلِئَة بَيْن يَدَيْ هَذَا
 اَلْكَوْكَب اَلْمُنِير وَدَار بِنَظَرِهِ فِي اَلْفَضَاء مِنْ مُشْرِقَة إِلَى مغربة فَلَمَّحَ فِي اَلْأُفُق
 اَلْغَرْبِيّ بارقا يَخْطِف اَلْبَصَر بِلَآلِئِهِ فَخُيِّلَ إِلَيْهِ أَنَّ اَلْمَغْرِب قَدْ أَطْلَعَ فِي أَفْقَه
 شَمْسًا كَتِلْكَ اَلَّتِي اطلعها اَلْمَشْرِق حَتَّى تُبَيِّنهُ فَإِذَا هُوَ لَوَّحَ كَبِير مِنْ اَلزُّجَاج أَصْفَر
 مُسْتَدِير تعابثه أَشِعَّة اَلشَّمْس فِيمَا تعابث مِنْ اَلْكَائِنَات فالتمع التماعا شَدِيدًا
 فَاسْتَرَدَّ بَصَره إِلَيْهِ سَرِيعًا وَوَضْع يَده عَلَى يُسْرَى أَضْلُعه كَأَنَّمَا يَحُول بَيْن قَلْبه
 وَبَيْن اَلْفِرَار لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ اَللَّوْح اَلزُّجَاجِيّ اَلْأَصْفَر إِنَّمَا يُلَوِّح فِي بُرْج مِنْ
 أَبْرَاج اَلْقَصْر اَلْأَحْمَر .
 هُنَا عَلِمَ أَنَّ نَفْسه قَدْ كَذَّبَتْهُ فِيمَا حَدَّثَتْهُ وَأَنَّ تِلْكَ اَلْبَارِقَة .
 اَلَّتِي كَانَتْ تُضِيء مَا بَيْن جَنْبَيْهِ مِنْ اَلْحُبّ قَدْ اِسْتَحَالَتْ إِلَى جَذْوَة نَار مُشْتَعِلَة
 تَقْضِم فُؤَاده قَضْمًا وَتَمْشِي فِي نَفْسه مَشْي اَلْمَوْت فِي اَلْحَيَاة فَأَطْلَقَ لِعِبْرَتِهِ سَبِيلهَا
 وَأَنْشَأَ بَيْن أَنِينًا يَئِنّ مُحْزِنًا تَرَدُّده اَلرِّيَاح فِي جَوّهَا وَالْأَمْوَاج فِي بَحْرهَا
 وَالْأَعْشَاب فِي مغارسها والسائمة فِي مَرَابِضهَا حَتَّى سَمْع أَصْوَات اَلرُّعَاة وَضَوْضَاء
 السائمة فَكَفْكَفَ عَبَرَاته وَأَسْلَمَ رَأْسه إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَذَهَب مَعَ هُمُومه وَأَحْزَانه إِلَى
 حَيْثُ شَاءَ اَللَّه أَنْ تَذْهَب .
 هَكَذَا لَمْ يَنْتَفِع اَلْمِسْكِين بِنَفْسِهِ بَعْد اَلْيَوْم فَقَدْ ذَهَبَ مِنْ اَلْحُزْن إِلَى أَبْعَد مَذَاهِبه
 حَتَّى نَالَ مِنْهُ مَا لَمْ يَنَلْ كَرّ اَلْغَدَاة وَمَرَّ اَلْعَشِيّ فَأَصْبَحَ مَنْ يَرَاهُ فِي طَرِيقه يَرَى
 رَجُلًا يَائِسًا مَنْكُوبًا مُشَرَّد اَلْعَقْل مُشْتَرِك اَللُّبّ مذهوبا بِهِ كُلّ مَذْهَب يَهِيم عَلَى
 وَجْهه آنَاء اَللَّيْل وَأَطْرَاف اَلنَّهَار بَيْن اَلْغَابَات والحرجات وَفَوْق ضِفَاف اَلْأَنْهَار
 وَتَحْت مَشَارِف اَلْجِبَال يَأْنَس بِالْحَوْشِ أَنَس العشير بعشيره وَيَفِرّ مِنْ اَلنَّاس إِنَّ دُنُوًّا
 مِنْهُ فِرَار اَلْإِنْسَان مِنْ اَلْوَحْش وَيَرُدّ اَلْمَنَاهِل مَعَ اَلظِّبَاء واليعافير ثُمَّ يُصَدِّر إِذَا
 صَدَّرَتْ مَعَهَا وَرُبَّمَا تَرَامَى بِهِ اَلسَّيْر أَحْيَانًا إِلَى أفنية اَلْقَصْر اَلْأَحْمَر مِنْ حَيْثُ لَا
 يَشْعُر فَإِذَا رَأَى أبراحه بَيْن يَدَيْهِ ذُعِرَ ذُعْرًا شَدِيدًا وَصَاحَ صَيْحَة عَظِيمَة وانكفا
 رَاجِعًا إِلَى قِرْبَته لَا يَلْوِي عَلَى شَيْء وَكَثِيرًا مَا قَضَتْ أُمّه اَلنَّهَار كُلّه حَامِلَة
 عَلَى يَدهَا اَلطَّعَام تُفَتِّش عَنْهُ فِي كُلّ مَكَان حَتَّى تَرَاهُ مُلْقَى بَيْن اَلْأَحْجَار عَلَى ضَفَّة
 نَهْر أَوْ فِي سَفْح جَبَل فَتَضَع اَلطَّعَام بَيْن يَدَيْهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُر بِمَكَانِهَا ثُمَّ تَرْفَع
 يَدَيْهَا إِلَى اَلسَّمَاء ضارعة متخشعة تَسْأَل اَللَّه بِدُمُوعِهَا وَزَفَرَاتهَا أَنْ يَرُدّ إِلَيْهَا
 وَحَيَّدَهَا ثُمَّ تَعُود أَدْرَاجهَا .
 مَضَى اَللَّيْل إِلَّا أُقِلّهُ وَسُوزَان جَالِسَة إِلَى نَافِذَة قَصْرهَا اَلْمُشْرِفَة عَلَى اَلنَّهْر
 تَلْتَفِت إِلَى سَرِير اِبْنَتهَا مَرَّة وَتَقَلَّبَ وَجْههَا فِي اَلسَّمَاء أُخْرَى وَكَانَ اَلْقَمَر فِي
 لَيْلَة تمه فَظَلَّتْ تُنَاجِيه وَتَقُول :
 أَيُّهَا اَلْقَمَر اَلسَّارِي فِي كَبِد اَلسَّمَاء هَا أنذا فِي لَيْلَة تمك وَحْدِي لِلْمَرَّةِ
 اَلرَّابِعَة وَالْعِشْرِينَ فَهَلْ يَعُود إِلَى خَطِيبِي جُوسْتَاف فَيَنْظُر إِلَيْك مَعِي كَمَا كَانَ يَفْعَل
 مِنْ قَبْل .
 لَقَدْ كُنْت لِي أَيُّهَا اَلْكَوْكَب اَلْمُنِير نِعَم اَلْمُعَيَّن فِي لَيَالِي اَلْمُوحِشَة عَلَى هُمُومِي
 وَأَحْزَانِي فَهَلْ تَسْتَطِيع أَنْ تُحَدِّثنِي عَنْ جُوسْتَاف أَيْنَ مَكَانه وَمَتَى يَعُود وَهَلْ نَلْتَقِي
 قَرِيبًا فَيَتِمّ بِذَلِكَ يَدك عِنْدِي ?
 حَدَّثَنِي عَنْهُ . . هَلْ يُذَكِّرنِي كَمَا أَذْكُرهُ وَهَلْ يَحْفَظ عَهْدِي كَمَا أَحْفَظ عَهْده ? وَهَلْ
 يَجْلِس إِلَيْك حِينًا فَيَسْأَلك عَنِّي كَمَا أَسْأَلك عَنْهُ ? فَإِنَّ فِعْل فَقُلْ لَهُ إِنَّ اِبْنَته
 جَمِيلَة جِدًّا جِمَال اَلِابْتِسَامَة اَلْحَائِرَة فِي فَم اَلْحَسْنَاء وَبَيْضَاء بَيَاض اَلْقَطْرَة
 اَلصَّافِيَة فِي اَلزَّنْبَقَة اَلنَّاصِعَة تَحْت اَلْأَشِعَّة اَلسَّاطِعَة وَقُلْ لَهُ إِنَّهَا لَا تَهْتِف بِاسْم
 غَيْر اِسْمه وَلَا تَبْتَسِم لِرَسْم غَيْر رَسْمه وَإِنَّهُ إِنْ رَآهَا أَغْنَتْهُ رُؤْيَتهَا عَنْ اَلْمِرْآة
 اَلْمَجْلُوَّة لِأَنَّهُ يَرَى صُورَته فِي وَجْههَا كَمَا تَتَشَابَه اَلدُّمْيَتَانِ اَلْمُصَوِّبَتَانِ فِي قَالَب
 وَاحِد .
 وَلَمْ تَزَلْ تُنَاجِي اَلْقَمَر بِمِثْل هَذَا النجاء حَتَّى رَأَتْهُ يَنْحَدِر إِلَى مَغْرِبه فَوَدَّعَتْهُ
 وَدَاعًا جَمِيلًا وَقَالَتْ إِلَى اَلْغَد يَا صَدِيقِي اَلْعَزِيز . . .
 ثُمَّ قَامَتْ إِلَى سَرِير اِبْنَتهَا فَحَنَّتْ عَلَيْهَا بِرِفْق وَقَبِلَتْهَا فِي جَبِينهَا قُبْلَة اَلْمَسَاء
 وَذَهَبَتْ إِلَى مَضْجَعهَا وَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ عَبِثَتْ بِجَفْنِهَا اَلسَّنَة اَلْأُولَى مِنْ اَلنَّوْم حَتَّى
 أسلمتها أَحْلَامهَا إِلَى أَمَانِيهَا وَآمَالهَا فَرَأَتْ كَأَنَّ جُوسْتَاف قَدْ عَادَ مَنْ سِفْره
 فَاسْتَقْبَلَتْهُ هِيَ وَابْنَتهَا عَلَى بَاب اَلْقَصْر فَنَزَلَ مِنْ مَرْكَبَته وَضَمَّهُمَا مَعًا إِلَى صَدْره
 ضَمًّا شَدِيدًا وَظَلَّ يَقْبَلهُمَا وَيَبْكِي فَرَحًا وَسُرُورًا .
 فَإِنَّهَا بِالْإِغْوَاءِ فِي حَمْلهَا هَذَا إِذْ شَعَرَتْ بِيَد تَحَرُّكهَا فَانْتَبَهَتْ فَإِذَا صَدَرَ اَلنَّهَار
 قَدْ عَلَا وَإِذَا خَادِمَتهَا وَاقِفَة عَلَى رَأْسهَا ضَاحِكَة متطلقة تَقُول لَهَا بِشِرَاك يَا
 سَيِّدَتِي فَقَدْ حَضَرَ سَيِّدِي فاستطيرت فَرَحًا وَسُرُورًا وَقَالَتْ أَحْمَدك اَللَّهُمَّ فَقْد صَدَقَتْ
 أَحْلَامِي وَأَسْرَعَتْ إِلَى غُرْفَة مَلَابِسهَا فَبَدَّلَتْ أَثْوَابهَا ثُمَّ دَخَلَتْ عَلَيْهِ فِي غُرْفَته
 بَاسِمَة مُتَهَلِّلَة تَحْمِل اِبْنَتهَا عَلَى يَدهَا فَرَأَتْهُ وَاقِفًا فِي وَسَط اَلْغُرْفَة مُتَّكِئًا عَلَى
 كُرْسِيّ بَيْن يَدَيْهِ فَهَرِعَتْ إِلَيْهِ وَلَكِنَّهَا مَا دَنَتْ مِنْهُ حَتَّى تَرَاجَعَتْ جَائِرَة مدهوشة
 لِأَنَّهَا رَأَتْ أَمَامهَا رَجُلًا لَا تَعَرُّفه وَلَا عَهْد لَهَا بِهِ مِنْ قَبْل لَا بَلْ هُوَ بِعَيْنِهِ
 وَلَكِنَّهَا رَأَتْ وَجْهًا صَامِتًا مُتَحَجِّرًا لَا تَلْمَع فِيهِ بَارِقَة اِبْتِسَام وَلَا تَجْرِي فِيهِ
 نَظْرَة بِشَاشَة فَأَنْكَرَتْهُ إِلَّا أَنَّهَا تَمَاسَكَتْ قَلِيلًا وَمَدَّتْ إِلَيْهِ يَدهَا تُحْيِيه فَمَدَّ
 إِلَيْهَا يَده بِتَثَاقُل وَفُتُور كَأَنَّمَا يَنْقُلهَا مِنْ مَكَانهَا نَقْلًا وَلَمْ يَلِقْ عَلَى وَجْه
 اَلطِّفْلَة وَكَانَتْ تَبْتَسِم إِلَيْهِ وَتَمُدّ نَحْوه ذِرَاعَيْهَا نَظْرَة وَاحِدَة وَكَانَتْ أَوَّل كَلِمَة
 قَالَهَا لَهَا أباقية أَنْتِ فِي اَلْقَصْر حَتَّى اَلْيَوْم فَازْدَادَتْ دَهْشَة وَحَيْرَة وَلَمْ تُفْهِم
 مَاذَا يُرِيد وَقَالَتْ لَهُ وَأَيْنَ كُنْت تُرِيد أَنْ تَرَانِي يَا سَيِّدِي قَالَ فِي هَذَا اَلْقَصْر كَمَا
 تَرَكَتْك وَلَكِنِّي أَظُنّ أَنَّك لَا تَسْتَطِيعِينَ اَلْبَقَاء فِيهِ بَعْد اَلْيَوْم قَالَتْ :
 لِمَاذَا قَالَ لِأَنَّ زَوْجَتِي قَادِمَة إِلَيْهِ اَلْيَوْم رُبَّمَا كَانَتْ لَا تُحِبّ أَنْ تَرَى فِيهِ مَنْ
 يُزْعِجهُ وُجُودهَا .
 تتمة







ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

#footer-column-container { clear:both; } .footer-column { padding: 10px; }