السبت، 2 أبريل 2011

اَلشُّهَدَاء


اَلشُّهَدَاء

مُتَرْجَمَة

 لَمْ يَبْقَ لَهَا بَعْد مَوْت زَوْجهَا وَأَبَوَيْهَا إِلَّا وَلَد صَغِير يُؤْنِسهَا وَأَخ شَفِيق يَحْنُو
 عَلَيْهَا وَصَبَابَة مِنْ اَلْمَال تترشف اَلرِّزْق مِنْهَا تَرْشُفَا مُصَانَعَة لِلدَّهْرِ فِيهَا .
 أَمَّا اَلصَّبَابَة فَقَدْ نَضَبَتْ وَأَمَّا اَلْأَخ فَقَدْ ضَمَّهُ اَلدَّهْر ضَمَّة ذَهَبَتْ بِمَالِهِ وَبِجَمِيع مَا
 تُمَلِّك وَبِجَمِيع مَا تَمْلِك يَده فَهَاجَرَ هِجْرَة بَعِيدَة لَا تَعْرِف مَصِيره فِيهَا فَأَصْبَحَتْ مِنْ
 بَعْده لَا تَمْلِك مَالًا وَلَا عَضُدًا .
 لَقُدَّ لَقِيَتْ هَذِهِ اَلْمَرْأَة اَلْمِسْكِينَة مِنْ اَلشَّقَاء فِي طَلَب اَلْعَيْش مَا لَا يَسْتَطِيع أَنْ
 يَحْتَمِلهُ بِشَرّ فَخَاطَتْ اَلْمَلَابِس حَتَّى عَشَّى بَصَرهَا وَغَسَلَتْ اَلثِّيَاب حَتَّى يَبِسَتْ أَطْرَافهَا
 وَدَخَلَتْ اَلْمَصَانِع حَتَّى كَلَّتْ وَخَدَمَتْ فِي اَلْمَنَازِل حَتَّى ذَلَّتْ وَلَكِنَّهَا اِسْتَطَاعَتْ أَنْ تَحْيَا
 وَيَحْيَا وَلَدهَا بِجَانِبِهَا .
 مَا كَانَ لِمَثَلِهَا أَنْ يَحْيَا عَلَى مِثْل ذَلِكَ وَلَكِنَّ اَللَّه كَانَ أَرْحَم بِهَا مِنْ أَنْ يَسْلُبهَا
 اَلسَّعَادَة وَيَسْلُبهَا اَلْعَزَاء عَنْهَا مَعًا فَقَدْ كَانَتْ إِذَا دَجَا لَيْل اَلْحَوَادِث حَوْلهَا
 وَأَظْلَمَتْ اَلْحَيَاة أَمَام عَيْنَيْهَا رَأَتْ فِي اَلْأُفُق اَلْبَعِيد ثَلَاثَة أَشِعَّة تَنْبَعِث مِنْ سَمَاء
 اَلرَّحْمَة اَلْإِلَهِيَّة حَتَّى تَتَلَاقَى فِي فُؤَادهَا فَتَمْلَأهُ عَزَاء وَصَبْرًا شُعَاع اَلْأُنْس
 بِوَلَدِهَا وَشُعَاع اَلرَّجَاء فِي أَخِيهَا وَشُعَاع اَلسُّرُور بِمَا وُفِّقَتْ إِلَيْهِ مِنْ صِيَانَة عِرْضهَا
 .
 دَارَتْ اَلْأَيَّام دَوْرَتهَا فاكتهلت اَلْأُمّ وَشَبَّ اَلْوَلَد وَانْتَقَلَ قَلْبهَا إِلَى قَلْبه وَكَانَ
 لَا بُدّ لَهُ أَنْ يَعِيش وَأَنْ يُحْسِن إِلَى تِلْكَ اَلَّتِي طَالَمَا أَحْسَنَتْ إِلَيْهِ فَمَشَى يَتَصَفَّح
 وُجُوه اَلرِّزْق وَجْهًا وَجْهًا وَيَرُدّ مَنَاهِله مَنْهَلًا مَنْهَلًا حَتَّى وَجَدَهُ حَتَّى مَهْر فِيهَا
 وَالْمَهَارَة لَا تَدُلّ عَلَى صَاحِبهَا وَحْدهَا بَلْ هُوَ اَلَّذِي يَدُلّ عَلَيْهَا بِحِيلَتِهِ وَرِفْقه وَمَا
 كَانَ اَلْفَتَى يَمْلِك أَدَاة ذَلِكَ وَلَا يَعْرِف اَلسَّبِيل إِلَيْهِ فَاسْتَمَرَّ خَامِلًا مَغْمُورًا لَا
 تَدُرْ لَهُ مِهْنَته إِلَّا اَلْقَطْرَة بَعْد اَلْقَطْرَة فِي اَلْفَيْنَة بَعْد اَلْفَيْنَة فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ
 يُسْعِد أُمّه وَلَكِنَّهُ اِسْتَطَاعَ أَنْ يَسُدّ خَلَّتْهَا فَقَنِعَتْ مِنْهُ بِذَلِكَ وَلَزِمَتْ مَنْزِلهَا وَوَجَدَتْ
 بِرَدّ اَلرَّاحَة فد صَدْرهَا .
 إِلَّا أَنَّهَا كَانَتْ إِذَا ذَكَرَتْ ذَلِكَ اَلْغَائِب اَلنَّائِي عَنْهَا حَنَّتْ إِلَيْهِ حَنِين النيب إِلَى
 فِصَالهَا وَأَحْزَنَهَا أَنَّهَا لَمْ تَرَهُ مُنْذُ خَمْسَة عَشَر عَامًا وَلَمْ تَرَ مِنْهُ كِتَابًا مُنْذُ عَشَرَة
 أَعْوَام حَتَّى اَلْيَوْم فَلَا تُجْدِ لَهَا بُدًّا كُلَّمَا هاجها اَلْوَجْد إِلَيْهِ إِلَّا أَنْ تَلْجَأ إِلَى
 ذَلِكَ اَلْمَلْجَأ اَلْوَحِيد اَلَّذِي يَفْزَع إِلَيْهِ جَمِيع اَلْبَائِسِينَ وَالْمَحْزُونِينَ فِي بأسائهم
 وضرائهم خَلْوَتهَا وَدُمُوعهَا فَتُبْكِي مَا شَاءَ اَللَّه أَنْ تَفْعَل ثُمَّ تَخْرُج لِاسْتِقْبَال
 وَلَدهَا بَاشَّة بَاسِمَة مأن لَمْ تَكُنْ بَاكِيَة قَبْل ذَلِكَ .
 دَخَلَ عَلَيْهَا وَلَدهَا يَوْمًا فِي خَلْوَتهَا فَرَآهَا تَبْكِي وَرَأَى فِي يَدهَا صُورَة فَتُبَيِّنهَا
 فَإِذَا هِيَ صُورَة خَاله فَأَلَم بِسَرِيرَة نَفْسهَا وَأَمْسَكَ بَيْن أَهْدَاب عَيْنَيْهِ دَمْعَة
 مُتَرَقْرِقَة مَا تَكَاد تَتَمَاسَك فَمَشَى إِلَيْهَا حَتَّى وَضْع يَده عَلَى عَاتِقهَا وَقَالَ رَفِّهِي عَنْ
 نَفْسك يَا أُمَّاه فَسَتَعْلَمِينَ خَبَر غائبك عَمَّا قَلِيل فَتُطْلِق وَجْههَا وَأَضَاءَ وَقَالَتْ كَيْفَ
 اَلسَّبِيل إِلَى ذَلِكَ قَالَ قَدْ عَلِمَتْ أَنَّ مَعْرَضًا سَيُقَامُ لِلرَّسْمِ فِي وَاشُنْطُون حَاضِرَة
 أَمْرِيكَا بَعْد بِضْعَة شُهُور وَأَنَّهُمْ قَدَّرُوا لَهُ جَوَائِز مُخْتَلِفَة صُغْرَى وَكُبْرَى وَقَدْ وَعَدَنِي
 بَعْض أَصْدِقَائِي أَنْ يُسَاعِدنِي عَلَى اَلشُّخُوص إِلَيْهِ عَلَنِي استطيع أَنْ أَنَال مَاتَ أُقِيم بِهِ
 وَجْهِي وَأُنْقِذ بِهِ نَفْسِي وَنَفْسك مِنْ هَذَا اَلشَّقَاء هُنَالِكَ أُفَتِّش عَنْ غائبك حَتَّى أَجِدهُ أَوْ
 أَجِد مُنْقَطِع أَثَره فاستسر بِشَرِّهَا اَلَّذِي كَانَ مُتَلَأْلِئًا وَقَالَتْ لَا تَفْعَل يَا بَنِي فَمَا
 أَنَا بِشَقِيَّة مَا رَأَيْتُك بِجَانِبِي وَمَا أَنْتَ بِشِقِّي مَا قَنِعَتْ بمات قِسْم اَللَّه لَك وَلَئِنْ
 فَعَلَتْ لَا تكونن اِمْرَأَة عَلَى وَجْه اَلْأَرْض أَعْظَم مِنِّي لَوْعَة وَلَا أَشْقَى وَلَئِنْ بَكَيْت
 لِفِرَاق أَخِي مَرَّة فَسَأَبْكِي لِفِرَاقِك أَلْف مَرَّة وَإِنِّي كُلَّمَا ذَكَّرْته وُجِدَتْ فِي وَجْهك
 اَلْعَزَاء عَنْهُ فَمَنْ لِي بِالْعَزَاءِ عَنْكُمَا إِنْ فَقَدَتْ وَجْهَيْكُمَا مَعًا .
 فَمَا زَالَ يُرَوِّضهَا وَيَمْسَحهَا وَيُمَنِّيهَا فِي رِحْلَته اَلْأَمَانِي اَلْعَذَاب حَتَّى أَسْلَسَتْ وَهَدَأَتْ
 وَأَسْلَمَتْ إِلَى اَللَّه أَمْرهَا .
 وَمَا هِيَ إِلَّا أَيَّام قَلَائِل حَتَّى ضَرْب اَلدَّهْر بَيْنهمَا بِضَرَبَاتِهِ فَإِذَا اَلْأُمّ وَحِيدَة فِي
 فرنسلا لَا مُؤْنِس لَهَا وَإِذَا اَلْوَلَد غَرِيب فِي أَمْرِيكَا لَا يَعْرِف لَهُ سَنَدًا وَلَا عَضُدًا
 .
 وَصَلَ اَلْفَتَى إِلَى مَعْرَض اَلرَّسْم فَعَرْض رَسْمه هُنَاكَ وَكَانَ يُمَثِّل فِيهِ مَوْقِف اَلْوَدَاع اَلَّذِي
 جَرَى بَيْنه وَبَيْن امه عَلَى شَاطِئ اَلْبَحْر يَوْم رَحِيله وَكَانَ مَوْقِفًا مُحْزِنًا فَأَحْسَن
 تَمْثِيله فَأُعْجِبَ اَلْقَوْم بِجَمَالِهِ وَأَثَر فِي نُفُوسهمْ مَنْظَره فَقَضَوْا لَهُ بِالْجَائِزَةِ اَلَّتِي
 كَانَ يَمَنِيّ نَفْسه بِهَا فَمَا حَصَلَتْ فِي يَده حَتَّى خُيِّلَ إِلَيْهِ أَنَّهُ أَسْعَد أَهْل اَلْأَرْض طرا
 وَأَنَّ هَذَا اَلْيَوْم هُوَ أَوَّل يَوْم هَبَطَ فِيهِ عَالَم اَلْوُجُود وَأَنَّهُ مَا ذَاقَ قَبْل اَلسَّاعَة
 مَرَارَة اَلْعَيْش وَلَا رَأَى صُورَة اَلشَّقَاء .
 وَكَذَلِكَ يَعْبَث اَلدَّهْر بِالْإِنْسَانِ مَا يَعْبَث وَيُذِيقهُ مَا يُذِيقهُ نِمْنَ صُنُوف اَلشَّقَاء
 وَأَلْوَان اَلْآلَام حَتَّى إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ أَوْحَشَهُ وَأَرَابَهُ وَمَلَأَ قَلْبه غَيْظًا وَحَنَقًا
 أَطْلَعَ لَهُ فِي تِلْكَ اَلسَّمَاء اَلْمُظْلِمَة اَلْمُدْلَهِمَّة بَارِقَة وَاحِدَة مِنْ بوارق اَلْأَمَل
 اَلْكَاذِب فَاسْتَرَدَّهُ بِهَا إِلَى حَظِيرَته رَاضِيًا مُغْتَبِطًا كَمَا تقاد السائمة اَلْبَلْهَاء
 بِأَعْوَاد اَلْكَلَأ إِلَى مَصْرَعهَا فَمَااسعد اَلدَّهْر بِالْإِنْسَانِ وَمَا أَشْقَى اَلْإِنْسَان بِهِ .
 أَرْسَلَ اَلْفَتَى إِلَى أُمّه بَعْض اَلْمَال وَاسْتَبْقَى لِنَفْسِهِ بَعْضًا وَكَتَبَ إِلَيْهَا أَنَّهُ لَنْ يَبْرَح
 هَذِهِ اَلْأَرْض حَتَّى يَفِي لَهَا بِمَا عَاهَدَهَا عَلَيْهِ وَمَشَى فِي طَرِيقه يُفَتِّش عَنْ خَاله فِي
 أَنْحَاء اَلْبِلَاد وَيُسَائِل عَنْهُ كُلّ مَنْ لَقِيَهُ مِنْ اَلْقَاطِنِينَ وَالطَّارِئَيْنِ وَحَتَّى حَدَّثَهُ
 بَعْضهمْ أَنَّ آخِر عَهْدهمْ بِهِ رِحْلَة رَحْلهَا عَنْهُمْ مِنْ بِضْع سَنَوَات إِلَى بَعْض اَلْجُزُر
 اَلْجَنُوبِيَّة فِي اَلتَّفْتِيش عَنْ مَعْدِن نُحَاس هُنَاكَ ثُمَّ لَمْ عَدّ بَعْد ذَلِكَ فَمَشَى فِي اَلطَّرِيق
 اَلَّتِي عَلِمَ أَنَّهُ سَلَكَهَا حَتَّى وَصَلَ إِلَى جَزِيرَة مُوحِشَة مُقْفِرَة وَكَانَتْ لَا تَزَال تَغُشِّي
 سَمَاء تِلْكَ اَلْبِلَاد بَقِيَّة مِنْ ظُلُمَات اَلْعُصُور اَلْأَوْلَى فَمَرَّ بِقَبِيلَة مِنْ قَبَائِل اَلزِّنْج
 نَازِلَة هُنَاكَ وَرَاء بَعْض اَلْجِبَال اَلْمُنْقَطِعَة فَمَا رَاؤُهُ حَتَّى هَاجَتْ فِي صُدُورهمْ أَحْقَاد
 تِلْكَ اَلْعَدَاوَة اللونية اَلَّتِي لَا يَزَال يُضْمِرهَا هَؤُلَاءِ اَلْقَوْم لِكُلّ شَيْء أَبْيَض حَتَّى
 لِلشَّمْسِ اَلْمُشْرِقَة وَالْكَوَاكِب اَلزَّاهِرَة فَدَارُوا بِهِ دَوْرَة سَقَطَ مِنْ بَعْدهَا أَسِيرًا فِي
 أَيْدِيهمْ بِالْإِغْوَاءِ حَتَّى وَصَلُوا بِهِ إِلَى دِيَارهمْ فاحتبسوه هُنَاكَ فِي نَفَق تَحْت اَلْأَرْض
 كَانُوا يُسَمُّونَهُ سِجْن اَلِانْتِقَام .
 هُنَالِكَ عَلَم ان تِلْكَ اَلْبَارِقَة اَلَّتِي لَاحَتْ لَهُ فِي سَمَاء اَلسَّعَادَة مِنْ اَلْأَمَل يَوْم
 اَلْمَعْرَض إِنَّمَا هِيَ خُدْعَة مِنْ خُدَع اَلدَّهْر وَأُكْذُوبَة مِنْ أَكَاذِيبه وَأَنَّ مَا كَانَ يُقَدِّرهُ
 لِنَفْسِهِ مِنْ سَعَادَة وَهَنَاء فِي مُسْتَقْبَل أَيَّامه قَدْ ذَهَبَ بِذَهَاب أَمْس اَلدَّابِر وَأَصْبَحَ
 صَحِيفَة بَالِيَة فِي كِتَاب اَلدَّهْر اَلْغَابِر .
 وَلَقَدْ كَانَ فِي اِسْتِطَاعَة أَنْ يُخْلِد لِلنَّازِلَةِ اَلَّتِي نَزَلَتْ بِهِ وَيَسْتَمْسِك لَهَا لَوْ أَنَّهُ
 اِسْتَقَلَّ بِحَمْلِهَا وَلَكِنَّ اَلَّذِي آذَاهُ وَأَثْقَله أَنْ هُنَاكَ إِنْسَانًا آخَر كَرِيمًا عَلَيْهِ يُقَاسِمهُ
 إِيَّاهَا فَقَدْ أَصْبَحَ يَحْمِل مُصِيبَته وَمُصِيبَة أُمّه فِيهِ عَلَى عَاتِق وَاحِد .
 نَزَلُوا بِهِ إِلَى اَلْمَحْبِس وَقَادُوهُ إِلَى سِلْسِلَة غَلِيظَة اَلْحَلَقَات فَسَلَكُوهُ فِيهَا ثُمَّ
 أَغْلَقُوا اَلْبَاب مُنْذُ ونه وَتَرَكُوهُ وَشَأْنه فَمَا اِنْفَرَدَ بِنَفْسِهِ حَتَّى فَتَحَ عَيْنَيْهِ فَلَمْ
 يَرَ أَمَامه شَيْئًا فَلَمْ يَعْلَم هَلْ كَفَّ بَصَره أَمْ اِشْتَدَّتْ اَلظُّلْمَة أَمَام عَيْنَيْهِ فَحَجَبَتْ عَنْ
 نَاظِره كُلّ شَيْء حَتَّى نَفْسهَا فَلَمْ يَزَلْ فِي حَيْرَته حَتَّى اِنْقَضَى اَللَّيْل فَانْحَدَرَ إِلَيْهِ مِنْ
 ثُقْب صَغِير فِي حَائِط اَلْمَحْبِس خَيْط أَبْيَض دَقِيق مِنْ شُعَاع اَلشَّمْس حَتَّى اِسْتَقَرَّ بَيْن يَدَيْهِ
 فَأُنْس بِهِ أَنَس اَلْغَرِيب وَشُكْر لِلشَّمْسِ رَسُولهَا اَلَّذِي أَرْسَلَتْهُ إِلَيْهِ لِيُؤْنِسهُ فِي وَحْدَته
 وَاسْتَمَرَّ بَصَره عَالِقًا بِهِ لَا يُفَارِقهُ أَيْنَمَا سَارَ وَحَيْثُمَا اِنْتَقَلَ حَتَّى رَآهُ يتقبض
 شَيْئًا فَشَيْئًا وَيَتَرَاجَع قَلِيلًا قَلِيلًا ثُمَّ عَلَا إِلَى ثقبة اَلَّذِي اِنْحَدَرَ مِنْهُ ثُمَّ طَارَ
 إِلَى سَمَائِهِ اَلَّتِي هَبَطَ مِنْهَا فَحَزِنَ لِفِرَاقِهِ حُزْن العشير لِفِرَاق عشيره وَدَار بِعَيْنَيْهِ
 حَوْل نَفْسه فَإِذَا قَطَعَ سَوْدَاء مُظْلِمَة تتدجى وَتَتَكَاثَف مِنْ حَوْله ويملس بَعْضهَا فِي
 أَحْشَاء بَعْض وَإِذَا هُوَ نَفْسه قِطْعَة مِنْ تِلْكَ اَلْقِطَع هَائِمَة بَيْنهَا هَيْمَان اَلرُّوح
 اَلْحَائِر فِي ظُلُمَات اَلْقُبُور فَمَا كَادَ يَعْرِف مَكَانه مِنْهَا فَمَشَى فِي ذَلِكَ اَلْمُعْتَرَك
 اَلْمَائِج يُفَتِّش عَنْ نَفْسه وَيَتَلَمَّسهَا بِيَدِهِ تَلْمِسَا حَتَّى سَمِعَ صَلْصَلَة اَلسِّلْسِلَة اَلْمُلْتَفَّة
 عَلَى قَدَمَيْهِ فَوَجَدَهَا وَكَانَ قَدْ أَجْهَدَهُ اَلْمُسَيَّر فَتَسَاقَطَ عَلَى نَفْسه بَاكِيًا مُنْتَحِبًا .
 وَكَذَلِكَ اِنْقَطَعَ هَذَا اَلْمِسْكِين عَنْ عَالَم كُلّه خَيْره وَشَرّه وَلَمْ يَبْقَ بَيْنه وَبَيْنه مِنْ
 صِلَة إِلَّا ذَلِكَ اَلشُّعَاع اَلْأَبْيَض اَلَّذِي يَزُورهُ كُلّ صَبَاح وَذَلِكَ اَلسَّجَّان اَلْأَسْوَد اَلَّذِي
 يَطْرُقهُ كُلّ مَسَاء .
 وَمَا مَرَّتْ بِهِ عَلَى حَاله تِلْكَ سَنَة وَاحِدَة حَتَّى نَسَّى نَفْسه وَنَسِيَ أَمَّهُ وَنَسِيَ اَلْعَالِم
 اَلَّذِي كَانَ يَعِيش فِيهِ وَالْعَالِم اَلَّذِي اِنْتَقَلَ إِلَيْهِ وَنَسِيَ اَللَّيْل وَالنَّهَار وَالظُّلْمَة
 وَالنُّور وَالسَّعَادَة وَالشَّقَاء وَأَصْبَحَ فِي مَنْزِلَة بَيْن مَنْزِلَتِي اَلْحَيَاة وَالْمَوْت فَلَا
 يُفْرِح وَلَا يَتَأَلَّم وَلَا يُذَكِّر اَلْمَاضِي وَلَا يَرْجُو اَلْمُسْتَقْبَل وَلَا يَعْلَم هَلْ هُوَ حَجَر
 بَيْن تِلْكَ اَلْأَحْجَار أَوْ قِطْعَة بَيْن قِطَع اَلظَّلَام أَوْ جَسَد يَتَحَرَّك أَوْ خَيَال يُسْرِيّ أَوْ
 وَهُمْ مِنْ اَلْأَوْهَام أَوْ عَدَم مِنْ اَلْإِعْدَام !
 مَرَّتْ عَلَى تِلْكَ اَلْأُمّ اَلْمِسْكِينَة بِضْعَة أَعْوَام لَا تَرَى وَلَدهَا وَلَا تَجِد مَنْ يَدُلّهَا
 عَلَيْهِ فَأَصْبَحَ مَنْ يَرَاهَا فِي طَرِيقهَا يَرَى عَجُوزًا حَدْبَاء والهة متسبلة مذهوبا بِهَا
 قَدْ تَوَكَّأَتْ عَلَى عَصَا مَا تَزَال تَضْطَرِب فِي يَدهَا وَأَسْبَلَتْ جِسْمهَا اَلنَّاحِل المحقوقف
 أهداما خُلُقَانَا يَحْسَبهَا اَلنَّاظِر إِلَيْهَا لِكَثْرَة مَا نَالَتْ يَد البلى مِنْهَا أخدابا
 مُتَلَاصِقَة أَوْ مَزَّقَا مُتَطَايِرَة تَقِف صَدْر اَلنَّهَار بِأَبْوَاب اَلْمَعَابِد وَالْكَنَائِس تَسْأَل
 اَللَّه أَنْ يَرْحَمهَا وَالنَّاس أَنْ يُطْعِمُوهَا حَتَّى إِذَا زَالَتْ اَلشَّمْس عَنْ كَبِد اَلسَّمَاء أَخَذَتْ
 سَمَّتْهَا إِلَى شَاطِئ اَلْبَحْر وَجَلَسَتْ فَوْق بَعْض صُخُوره تُنَاجِي أَمْوَاجه وَرِمَاله وَتَرْقُب
 أُفُقه اَلْبَعِيد كَمَا يَرْقُب اَلْمُنَجِّم كَوْكَبه فِي أُفُق اَلسَّمَاء فَإِذَا سَرَّتْ إِلَيْهَا نِسْمَة
 وَجَدَتْ رِيح وَلَدهَا فِيهَا وَإِذَا  عَلَيْهَا مَوْجَة ظَنَّتْ أَنَّهَا رَسُول مِنْهُ إِلَيْهَا وَإِذَا
 تَرَاءَتْ لَهَا سَفِينَة ماخرة عَلَى سَطْح اَلْمَاء حَسِبْتهَا اَلسَّفِينَة اَلَّتِي تُحَمِّلهُ فَلَا
 يَزَال بَصَرهَا عَالِقًا بِهَا لَا يُفَارِقهَا حَتَّى تَرْسُو عَلَى اَلشَّاطِئ فَتَقِف فِي طَرِيق
 ركبانها تَتَصَفَّح اَلْوُجُوه وَتَتَفَرَّس اَلشَّمَائِل وَتَهْتِف بِاسْم وَلَدهَا صَارِخَة مُعَوِّلَة وَتَقُول
 :
 تتمة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

#footer-column-container { clear:both; } .footer-column { padding: 10px; }